أحمد مصطفى المراغي
12
تفسير المراغي
وبعد أن ذكر ضيق صدره لتكذيب المشركين له ، قفى على ذلك بذكر ما قالوه في القرآن فقال : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أي بل أيقول هؤلاء المشركون من أهل مكة إن محمدا قد افترى هذا القرآن ؟ فقل لهم إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من عند أنفسكم لا تدّعون أنها من عند اللّه ، فإنكم أهل اللّسن والبيان والمران على المفاخرة بالفصاحة والبلاغة وفنون الشعر والخطابة ، ولم يسبق لي مع العمر الطويل الذي عشته بينكم أن أزاول شيئا من ذلك ، فإن كان من كلام البشر فأنتم على مثله أقدر ، وإنكم لتعلمون أنى لم أكذب على بشر قط ، فكيف أفترى على اللّه ، وإن زعمتم أن لي من يعينني على تأليفه ووصفه ، فادعوا من استطعتم ممن تعبدون غير اللّه ، ومن جميع خلقه ليساعدوكم على الإتيان بهذه السور العشر ، ولتكن مثله مفتريات تشتمل على مثل ما فيه من تشريع ديني ومدنى وحكم ومواعظ ، وآداب وأنباء غيبية إخبارا عن ماض ، وأنباء غيبية إخبارا عن مستقبل ، بمثل هذا النظام البديع والأسلوب البالغ حد الإعجاز ، والبلاغة الساحرة للألباب ، والسلطان الحاكم على الأنفس والأرواح - إن كنتم صادقين في دعواكم . والخلاصة - إن مشركي مكة المعاندين لم يجدوا شبهة في القرآن بعد شبهة السحر التي لم تجد آذانا صاغية عند العرب ، لأنهم أرباب الفصاحة واللسن فعرفوا فضله على سائر الكلام - إلا زعمهم أن محمدا قد افتراه جملة وليس بوحي من عند اللّه ، فتحداهم بالإتيان بعشر سور مثله في النظم والأسلوب ، محتوية على التشريع القيّم من ديني ومدنى وسياسي ، وحكم ومواعظ وآداب ، وكلّفهم دعوة من استطاعوا من دون اللّه ليظاهروهم ويعاونوهم على ذلك ، فعجزوا ولم يجدوا من فصحائهم من يستجيب لهم ، فقامت الحجة عليهم وعلى غيرهم إلى يوم الدين ، وهذا معنى قوله : ( فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ) أي فإن لم يستجب لكم من