أحمد مصطفى المراغي

33

تفسير المراغي

وفي هذا الأسلوب من التأكيد واستحقاق المجاهدين للثواب ما لا يخفى ، إذ جعلهم مالكين معه ومبايعين له ومستحقين الثمن الذي بايعهم به ، وأكد لهم أمر الوفاء وإنجاز وعده . و عن جعفر الصادق أنه قال : ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها . يريد أن الذي يقتل أو يموت في سبيل اللّه بذل بدنه الفاني ، لا روحه الباقي . ثم وصف اللّه هؤلاء المكملة من المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم بجنته بصفات هي : ( 1 ) ( التَّائِبُونَ ) أي هم الراجعون إلى اللّه بتركهم كل ما يبعد عن مرضاته ، وتوبة الكفار هي رجوعهم عن الكفر الذي كانوا عليه كما قال : « فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ » وتوبة المنافق تكون بترك نفاقه ، وتوبة العاصي من معصيته تكون بالندم على ما حصل منه والعزم على عدم العود لمثله كتوبة من تخلف عن غزوة تبوك من المؤمنين ، وتوبة المقصّر في شئ من البر وعمل الخير تكون بالاستزادة منه ، وتوبة من يغفل عن ربه تكون بالإكثار من ذكره وشكره . ( 2 ) ( الْعابِدُونَ ) للّه المخلصون في جميع عباداتهم ، فلا يتوجهون إلى سواه بدعاء ولا استغاثة ولا يتقربون إلى غيره بعمل قربان ولا طلب مثوبة في الآخرة . ( 3 ) ( الْحامِدُونَ ) للّه في السراء والضراء ، روى عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ أتاه الأمر يسرّه قال « الحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات » وإذا أتاه الأمر يكرهه قال : « الحمد للّه على كل حال » . ( 4 ) ( السَّائِحُونَ ) في الأرض لغرض صحيح كعلم نافع للسائح في دينه أو دنياه ، أو نافع لقومه وأمته ، أو النظر في خلق اللّه وأحوال الأمم والشعوب للاعتبار والاستبصار وقد حث اللّه كثيرا على السير في الأرض والضرب فيها كما قال « أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ » .