أحمد مصطفى المراغي

32

تفسير المراغي

و روى ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا « من سل سيفا في سبيل اللّه فقد بايع اللّه » وروى ابن أبي حاتم عن الحسن قال : « ما على ظهر الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة » وفي رواية « اسعوا إلى بيعة بايع اللّه بها كل مؤمن . إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم » . ثم بين صفة تسليم البيع فقال : ( يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) أي إنهم يقاتلون في سبيل الحق والعدل التي توصل إلى مرضاة اللّه تعالى ببذل أنفسهم وأموالهم فيكونون إما قاتلين لأعدائه الصادين عن سبيله ، وإما مقتولين شهداء في هذه السبيل ، ولا فرق بين القاتل والمقتول في الفضل والمثوبة عند اللّه ، فكل منهما كان في سبيله ولم يكن رغبة في سفك الدماء ، ولا حبّا للأموال ولا توسلا إلى ظلم العباد كما يفعل الذين يقاتلون لأغراض الدنيا من الملوك والأمراء . ( وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ) أي وعدهم وعدا أوجبه على نفسه وجعله حقا وأثبته في التوراة والإنجيل ، وضياعه منهما في النسخ التي بين يدي أهل الكتاب لا يضير في ذلك ؛ لأنه قد ضاع منهما كثير وحرّف بعضهما لفظا ومعنى ، ويكفى إثبات القرآن لذلك وهو المهيمن عليهما . ( وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ؟ ) أي لا أحد أوفى بعهده وأصدق في إنجاز وعده من اللّه ، إذ لا يمنعه من ذلك عجز عن الوفاء ولا يعرض له تردد ولا رجوع عما يريد إمضاءه من شأنه . ( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ) أي فإذا كان الأمر على هذه الحال فأظهروا السرور على ما فزتم به من الجنة . ( وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) أي وذلك الفوز الذي لا فوز أعظم منه ، وما يتقدمه من النصر والسيادة والملك لا يعد فوزا إلا بكونه وسيلة لإقامة الحق والعدل .