أحمد مصطفى المراغي

13

تفسير المراغي

يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ . وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ » . وهؤلاء لم يعلمه اللّه أعيانهم ولا فضحهم بأقوال قالوها ولا بأفعال فعلوها كما فضح غيرهم في هذه السورة ، لأنهم يتحامون ما يكون شبهة في إيمانهم ، وضررهم مقصور عليهم لا يعدوهم إلى سواهم . والحكمة في إخبارنا بحالهم أن يعلموا هم أنفسهم أن اللّه عليم بما يسرون من نفاقهم ، ويحذروا أن يفضحهم اللّه كما فضح سواهم ، وليتوب منهم من يتوب قبل أن يحل بهم ما أوعدهم به ربهم بقوله : ( سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ) أي سنعذبهم في الحياة الدنيا مرتين : أولاهما ما يصيبهم به من المصائب وانتظار الفضيحة بهتك أستارهم . وثانيتهما آلام الموت وزهوق أنفسهم وهم كافرون ، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم في ذلك الحين ، ثم يردون يوم القيامة إلى عذاب جهنم وبئس المصير . والخلاصة - إنهم يعذبون في الدنيا بالعذاب الباطن بتوبيخ الضمائر وعذاب الخوف من الفضيحة على رؤوس الأشهاد في الظاهر ، ثم عذاب النار وبئس القرار . وجملة القول - إن المنافقين فريقان : فريق عرفوا بأقوال قالوها وأعمال عملوها ، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه حتى لا يشعر أحد بشيء يستنكره منهم . وهذان الفريقان يوجدان في كل عصر ، فما من قطر من الأقطار إلا منى أهله بأعوان وأنصار منهم يزعمون أنهم يخدمون أمتهم من طريق استمالة الغاصب واسترضائه ، وأنه لولاهم لتمادى في ظلمه وهضم حقوق الأمة ولم يقف عند حد ، ومنهم من يخدمون المستعمرين خدمة خفية لا تشعر بها الأمة لأنهم مرنوا على النفاق . وأشد المنافقين مرودا على النفاق أعوان الملوك المستبدين الذين يلبسون الباطل لباس الحق ويروجونه في أعين الجماهير خدمة لأولئك الملوك .