أحمد مصطفى المراغي

14

تفسير المراغي

( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) أي وهناك فريق آخر ممن حولكم من الأعوان ومن أهل المدينة ليسوا منافقين ولا من السابقين الأولين ، بل من المذنبين الذين خلطوا الصالح من العمل بالسيئ منه ، والسيّئ بالصالح ، فلم يكونوا من الصالحين الخلص ولا من الفاسقين ، فهم قد آمنوا وعملوا الصالحات واقترفوا بعض السيئات كالذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك من غير عذر صحيح ؛ ولم يستأذنوا كاستئذان المرتابين ولم يعتذروا بالكذب كالمنافقين ، ثم كانوا حين قعودهم ناصحين للّه ورسوله شاعرين بذنوبهم خائفين من ربهم . وقد بين سبحانه حالهم بقوله : ( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) أي إنهم محل الرجاء لقبول اللّه توبتهم بتوفيقهم للتوبة الصحيحة التي هي سبب المغفرة والرحمة - وإنما يكون ذلك بالعلم بقبح الذنب وسوء عاقبته ، وتوبيخ الضمير حين تصور سخط اللّه والخوف من عقابه - ثم الإقلاع عنه بباعث هذا الألم ، والعزم على عدم العود إلى اقترافه ، والعزم على العمل بضده ليمحو أثره من نفسه . ثم علل هذا بقوله : ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي إنه تعالى يقبل توبتهم ، لأنه كثير المغفرة للتائبين ، واسع الرحمة للمحسنين . وفي معنى الآية قوله : « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » وقوله : « إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » . قال جماعة من العلماء : إن هذه الآية أرجى آية في القرآن في توقع رحمة اللّه للمذنبين الذين يجترحون السيئات ثم يتوبون إلى ربهم ويقلعون عن ذنوبهم . روى البخاري عن سمرة بن جندب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أتاني الليلة أي في المنام ملكان فابتعثانى فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء ، قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر ، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء