أحمد مصطفى المراغي

12

تفسير المراغي

( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) هذا الوعد الكريم تقدم في آيات سابقة في هذه السورة وغيرها ، ولا شك أن نعيم الجنة الخالد بين روحاني وبدنىّ فوز أيّما فوز . والخلاصة - إن هذه الطبقات الثلاث قد استبق أفرادها الصراط ، وشهد لهم ربّهم بالمغفرة والتجاوز عن كل ذنب ، وما عاد يؤثّر في كمال إيمانهم شئ ، لأن نورهم يمحو كل ظلمة تطرأ على أحد منهم بإلمامه بذنب . وبعد أن بيّن كمال إيمان تلك الطبقات الثلاث ورضاه عنهم - بين حال منافقى أهل المدينة ومن حولها فقال ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ) أي إن بعض الأعراب الذين حولكم منافقون . قال البغوي والواحدي : هم من قبائل جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار ، وكانت منازلهم حول المدينة ، وذلك لا يمنع أن يكون فيهم مؤمنون صادقون دعا لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ومدحهم فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وعفار موالى اللّه تعالى ورسوله لا موالى لهم غيره » ، و عنه أيضا أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أسلم سالمها اللّه ، وغفار غفر اللّه لها أما إني لم أقلها ، لكن قالها اللّه تعالى » . وكذلك من أهل المدينة نفسها ناس منافقون ، من الأوس والخزرج سوى من أعلم اللّه رسوله بهم في هذه السورة بما صدر منهم من أقوال وأفعال تنافى الإيمان . هؤلاء وهؤلاء مرنوا على النفاق وحذقوه حتى بلغوا الغاية في إتقانه ، فلا يشعر أحد به ، إذ هم يتقون جميع الأمارات والشبه التي تدل عليه . ( لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) أي لا تعرفهم أيها الرسول الكريم بفطنتك ودقيق فراستك لحذقهم في التقيّة وتباعدهم عن مثار الشبهات ، بل نحن نعلمهم بأعيانهم ، وهؤلاء أخفى نفاقا ممن قال اللّه فيهم : « أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ