أحمد مصطفى المراغي
11
تفسير المراغي
ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع مرنت على النفاق وحذقت فنونه ، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيئ العمل بأحسنه ، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم . الإيضاح ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ) ذكر اللّه في هذه الآية ثلاث طبقات من الأمة هي خيرها : ( 1 ) السابقون الأولون من المهاجرين ، وهم الذين هاجروا قبل صلح الحديبية ، وقد كان المشركون يضطهدون المؤمنين ويقاتلونهم في دار الهجرة وما حولها ولا يمكّنون أحدا من الهجرة متى كان ذلك في طاقتهم ، ولا منجاة للمؤمنين من شرهم إلا بالفرار أو الجوار ، فالذين هاجروا في ذلك الحين كانوا من المؤمنين الصادقين ، وأفضل هؤلاء الخلفاء الأربعة ثم العشرة الذين بشرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بالجنة . ( 2 ) السابقون الأولون من الأنصار ، وهم الذين بايعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عند العقبة في منى في المرة الأولى سنة إحدى عشرة من البعثة ، وكانوا سبعة ، وفي المرة الثانية ، وكانوا سبعين رجلا وامرأتين . ( 3 ) الذين اتبعوا هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في الهجرة والنصرة حال كونهم محسنين في أفعالهم وأقوالهم ، فإذا اتبعوهم في ظاهر الإسلام كانوا منافقين مسيئين غير محسنين في هذا الاتباع ، وإذا اتبعوهم محسنين في بعض أعمالهم ومسيئين في بعض كانوا مذنبين . ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) أي هؤلاء جميعا رضى اللّه عنهم في إيمانهم وإسلامهم ، فقبل طاعتهم وتجاوز عن زلّاتهم ، وبهم أعز الإسلام ونكّل بأعدائه من المشركين وأهل الكتاب ، ورضوا عنه بما أسبغ عليهم من نعمه الدينية والدنيوية فأنقذهم من الشرك ، وهداهم من الضلال ، وأعزهم بعد الذل ، وأغناهم بعد الفقر .