أحمد مصطفى المراغي

18

تفسير المراغي

وهكذا شأن النصارى والمسلمين من بعدهم ، إذ اتبعوا سنتهم واغتروا بدينهم وإن كانوا من أشد المخالفين له . ( وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي إنه تعالى سميع لما يقول مكذبو الرسل ، عليم بما يأتون وما يذرون ، وهو مجازيهم على ما يقولون ويعملون إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ) أي حتى يغيروا ما بأنفسهم تغييرا مماثلا لدأب آل فرعون ، فهم قد كذبوا كما كذب أولئك فحل بهم مثل ما حل بأولئك السابقين . والدأب الأول في بيان كفرهم بجحد ما قامت عليه أدلة الرسل من وحدانية اللّه ووجوب إفراده بالعبادة ، وفي تعذيب اللّه إياهم في الآخرة ، فهو دأب وعادة فيما يتعلق بحقه تعالى من حيث ذاته وصفاته ، وفي الجزاء الدائم على الكفر به الذي يبتدئ بالموت وينتهى بدخول النار . والدأب الثاني في تكذيبهم بآيات ربهم ونعمه من حيث إنه هو المربي لهم ، ويدخل في ذلك تكذيب الرسل وعنادهم وإيذائهم وكفر النعم المتعلقة ببعثتهم ، وفي الجزاء على ذلك بتغيير حالهم وعذابهم في الدنيا . وخلاصة ذلك - إن ما دوّنه التاريخ من دأب الأمم وعادتها في الكفر والتكذيب والظلم في الأرض ، ومن عقاب اللّه إياها - جار على سننه تعالى المطردة في الأمم ، ولا يظلم ربك أحدا بسلب نعمة منهم ولا بإيقاع أذى بهم ، وإنما عقابه لهم أثر طبيعي لكفرهم وظلمهم لأنفسهم . وأما عذاب الاستئصال بعذاب سماوىّ فهو خاص بمن طلبوا الآيات من الرسل وأنذروهم العذاب إذا هم كفروا بها بعد مجيئها ثم فعلوا ذلك . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 59 ] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 )