أحمد مصطفى المراغي
17
تفسير المراغي
وكما كانت سنته تعالى في أولئك أن أخذهم بذنوبهم ، فسنته في هؤلاء كذلك فقد نصر رسوله والمؤمنين في بدر ، وأهلك هؤلاء بذنوبهم . ( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ) أي إن اللّه قوىّ لا يغلبه غالب ، ولا يفوته هارب ، شديد العقاب لمن استحق عقابه وكفر بآياته وجحد حججه ، وقد جعل لكل شئ أجلا . روى البخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « إن اللّه تعالى ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » . ( ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) أي ذلك الذي ذكر من أخذه لقريش بكفرها بنعم اللّه عليها ، إذ بعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ، فكذبوه وأخرجوه من بينهم وحاربوه ، كأخذه للأمم قبلهم بذنوبهم - فقد جرت سنة اللّه ألا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الأحوال التي استحقوا بها تلك النعمة . وفي الآية إيماء إلى أن نعم اللّه على الأمم والأفراد منوطة ابتداء ودواما بأخلاق وصفات وأعمال تقتضيها ، فما دامت هذه الشؤون ثابتة لهم متمكنة منهم ، كانت تلك النعم ثابتة لهم ، واللّه لا ينتزعها منهم بغير ظلم منهم ولا جرم ، فإذا هم غيّروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يلزم ذلك من محاسن الأعمال ، غيّر اللّه حالهم وسلب نعمتهم منهم فصار الغنى فقيرا والعزيز ذليلا والقوى ضعيفا . وليست سعادة الأمم وقوتها وغلبتها منوطة بسعة الثروة ولا كثرة العدد كما كان يظن بعض المشركين وحكاه اللّه عنهم بقوله « وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » . وكذلك لا يحابى اللّه تعالى بعض الشعوب والأمم بنسبها وفضل بعض أجدادها على غيرهم بنبوّة أو ما دونها فيؤتيهم الملك والسيادة لأجل الأنبياء الذين ينسبون إليهم كما كان شأن بني إسرائيل في غرورهم وتفضيل أنفسهم على جميع الشعوب بنسبهم ،