أحمد مصطفى المراغي

90

تفسير المراغي

ولا شك أن من ظلم نفسه كان لغيره أظلم ، وإن كان ظلمه لنفسه مما يجهل أنه ظلم لها ، إذ يتجلى له في صورة المنفعة وتكون عاقبته مضرة ، وهكذا الحال في جميع الظالمين والمجرمين ، فهم يظنون أنهم بظلمهم وإجرامهم ينفعون أنفسهم جهلا منهم للعواقب وقلة تدبر ما ينبغي أن يتفطّن له . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 161 إلى 162 ] وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 161 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ( 162 ) الإيضاح تقدم مثل هاتين الآيتين في سورة البقرة غير أن بين الموضعين فروقا : ( 1 ) إنه قال هنا : اسكنوا القرية ، وفي سورة البقرة : « ادْخُلُوا » * والفائدة هنا أتم ، لأن السكنى تستلزم الدخول دون العكس . ( 2 ) إنه قال هنا : ( وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ ) وفي سورة البقرة ، « فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً » ، فجاء العطف هناك بالفاء لأن بدء الأكل يكون عقب الدخول كأكل الثمرات والفواكه التي تكون في كل ناحية من القرية - أما السكنى فأمر ممتد يكون الأكل في أثنائه لا عقبه ، كما وصف هناك الأكل بالرغد وهو : الواسع الهنيء لأن الأكل في أول الدخول يكون ألذ وبعد السكنى والإقامة لا يكون كذلك . ( 3 ) إنه قال هنا : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً ) وقدم هنا ما أخر هناك وأخر ما قدمه ، والواو لا تدل على طلب ترتيب بين الأمرين ، فالاختلاف في التعبير دالّ على عدم الفرق بين تقديم هذا وتأخير ذاك وبين عكسه ، إذ لا فارق بين أن يدعوا بقولهم : ( حِطَّةٌ ) أي حط عنا أوزارنا وخطايانا الذي هو بمعنى قولنا اللهم غفرا -