أحمد مصطفى المراغي
72
تفسير المراغي
لم يستطع كما حكى اللّه تعالى عنه في سورة طه : « قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ؟ » . ولا شك أن سياسة الأمم تختلف باختلاف أحوال رعاتها وسائسيها ، فالقوى منهم الشديد الغضب للحق كموسى يشعر بما لا يشعر به من يغلب عليه الحلم ولين العريكة كهارون عليه السلام . ثم ذكر سبحانه جواب هارون لموسى فقال : ( قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) أي يا ابن أمي لا تعجل بلومي وتعنيفى وتظنن تقصيري في جنب اللّه فإني لم آل جهدا في الإنكار على القوم والنصح لهم ، لكنهم قد استضعفوني ولم يرعووا لنصحى ولم يمتثلوا لأمرى بل أوشكوا أن يقتلوني . ( فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي فلا تفعل بي من اللوم والتقريع ما يجعل الأعداء يشمتون بي ، ولا تجعلني في زمرة القوم الظالمين لأنفسهم ، وهم الذين عبدوا العجل فتغضب منى كما غضبت منهم وتؤاخذني كما اخذتهم فإني لست منهم في شئ . وفي هذا دليل على أن هارون كان دون موسى في شدة العزيمة وقوة الإرادة وأخذ الأمور بالحزم ، وهذا ما أطبق عليه المسلمون وأهل الكتاب . ثم أبان سبحانه أثر هذا الاستعطاف في قلب موسى عليه السلام فقال : ( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) أي قال رب اغفر لي ما فرط منى من قول وفعل فيهما غلظة وجفاء ، واغفر له ما عساه يكون قد قصّر فيه من مؤاخذة القوم على ما اجترموه من الآثام خوفا مما توقعه من الإيذاء الذي قد يصل إلى القتل ، وأدخلنا في رحمتك التي وسعت كل شئ واغمرنا بجودك وفضلك فأنت أرحم بعبادك من كل رحم . والآية صريحة في براءة هارون من جريمة اتخاذ العجل وفي إنكاره على متخذيه