أحمد مصطفى المراغي

29

تفسير المراغي

( قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) أي قال فرعون مجيبا لهم إلى ما طلبوا : نعم إن لكم أجرا عظيما على ما تقومون به من ذلك العمل الجليل ، وأنتم مع ذلك تكونون من المقرّبين منا فتجمعون بين المال والجاه وذلك منتهى ما تطمعون فيه من نعيم الدنيا وسعادتها . ( قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ) أي قال السحرة لموسى بعد عدة فرعون لهم : إما أن تلقى ما عندك أولا ، وإما أن نلقى ما عندنا ؛ وفي هذا التخيير منهم له - دليل على اعتدادهم بسحرهم وثقتهم بأنفسهم وعدم المبالاة بعمله ، ولولا ذلك لما خيروه . إذ المتأخر في العمل يكون أبصر بما تقتضيه الحال بعد وقوفه على منتهى جهد خصمه . ( قالَ أَلْقُوا ) أي قال موسى عليه السلام وهو واثق بشأنه محتقر لهم غير مبال بهم : ألقوا ما أنتم ملقون وهو عليه السلام لم يأمرهم بفعل السحر ابتداء وإنما أمر بأن يتقدموه فيما جاءوا لأجله ولا بد لهم منه ، وأراد بذلك التوسل إلى إظهار بطلان السحر لا إثباته وإلى بناء ثبوت الحق على بطلانه ، ولم يكن هناك وسيلة للإبطال إلا ذلك ، وقد صرح به فيما حكاه تعالى عنه : « قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ . وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ » . ( فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) استرهبه أوقع في قلبه الرّهب والخوف ، أي فلما ألقوا ما ألقوا من حبالهم وعصيّهم سحروا أعين النظارة ومنهم موسى عليه السلام كما جاء في سورة طه : « فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى » وجاءوا بسحر عظيم في مظهره كبير في تأثيره في أعين الناس .