أحمد مصطفى المراغي

179

تفسير المراغي

المعنى الجملي ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآيات حكما عاما لما سيقع من الوقائع والحروب في مستأنف الزمان ، وجاء به في أثناء قصة بدر عناية بشأنه وحثا للمؤمنين على المحافظة عليه . الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً ) أي يا أيها الذين صدقوا اللّه ورسوله ، إذا لقيتم الذين كفروا حال كونهم زاحفين لقتالكم زحفا ، إذ الكفار هم الذين زحفوا من مكة إلى المدينة لقتال المؤمنين فقابلوهم ببدر . ( فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) أي فلا تولوهم ظهوركم وأقفيتكم منهزمين منهم وإن كانوا أكثر منكم عددا وعدة ، ولكن اثبتوا لهم ، فإن اللّه معكم عليهم . ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) أي ومن يولهم حين تلقونهم ظهره إلا متحرفا لمكان رآه أحوج إلى القتال فيه ، أو لضرب من ضروبه رآه أنكى بالعدو كأن يوهم خصمه أنه منهزم منه ليغريه باتباعه حتى إذا انفرد عن أنصاره كرّ عليه فقتله - أو منتقلا إلى فئة من المؤمنين في جهة غير التي كان فيها ليشدّ أزرهم وينصرهم على عدو تكاثر جمعه عليهم فصاروا أحوج إليه ممن كان معهم - من فعل ذلك فقد رجع متلبسا بغضب عظيم من اللّه ، ومأواه الذي يلجأ إليه في الآخرة جهنم دار العقاب وبئس المصير هي : ذاك أن المنهزم أراد أن يأوى إلى مكان يأمن فيه الهلاك ، فعوقب بجعل عاقبته دار الهلاك والعذاب الدائم وجوزي بضد غرضه . وفي الآية دلالة على أن الفرار من الزحف من كبائر المعاصي ، وجاء التصريح بذلك في صحيح الأحاديث فقد روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا « اجتنبوا السبع الموبقات ( المهلكات ) قالوا يا رسول اللّه وما هن ؟ . قال : الشرك باللّه والسحر وقتل