أحمد مصطفى المراغي
180
تفسير المراغي
النفس التي حرم اللّه إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولّى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » . وقد خصص بعض العلماء هذا بما إذا كان الكفار لا يزيدون على ضعف المؤمنين . قال الشافعي : إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولّوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة ، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولّوا ، ولا يستوجبون السخط عندي من اللّه لو ولّوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة . وروى عن ابن عباس قال : من فر من ثلاثة فلم يفرّ ، ومن فرّ من اثنين فقد فرّ . ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ) أي يا أيها الذين آمنوا لا تولوا الكفار ظهوركم أبدا فأنتم أولى منهم بالثبات والصبر ثم بنصر اللّه تعالى ، انظروا إلى ما أوتيتم من نصر عليهم على قلة عددكم وعدتكم وكثرتهم واستعدادهم ، ولم يكن ذلك إلا بتأييد من اللّه تعالى لكم وربطه على قلوبكم وتثبيت أقدامكم ، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذي أفنى كثيرا منهم بقوتكم وعدتكم ولكن قتلهم بأيديكم ، بما كان من تثبيت قلوبكم بمخالطة الملائكة وملابستها لأرواحكم ، وبإلقائه الرعب في قلوبهم ، وهذا بعينه هو ما جاء في قوله تعالى : « قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ » . والمؤمن أحرى بالصبر الذي هو من أجل عوامل النصر من الكافر ، إذ هو أقل حرصا على متاع الدنيا وأعظم رجاء للّه والدار الآخرة ، يؤيد هذا قوله تعالى : « وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ » . ثم انتقل من خطاب المؤمنين الذين قتلوا أولئك الصناديد بسيوفهم إلى خطاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وهو قائدهم الأعظم فقال :