أحمد مصطفى المراغي

173

تفسير المراغي

وقال يا نبي اللّه ، كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك . فأنزل اللّه تعالى : « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ » فلما كان يومئذ والتقوا هزم اللّه المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر سبعون . و روى البخاري عن ابن عباس قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر « اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد » فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك ، فخرج وهو يقول : « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » . وقد كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعلم بإعلام القرآن أن للنصر في القتال أسباب حسية ومعنوية ، وأن للّه سننا مطردة ، وهو مع ذلك يعلم أن للّه توفيقا يمنحه من شاء من خلقه فينصر به الضعفاء على الأقوياء والفئة القليلة على الفئة الكثيرة بما لا ينقض به سننه ، وأن له فوق ذلك آيات يؤيد بها رسله ، فلما عرف من ضعف المؤمنين وقلتهم ما عرف استغاث اللّه تعالى ودعاه ليؤيدهم بالقوة المعنوية التي تكون أجدر بالنصر من القوة المادية ، وكان كل من علم بدعائه يتأسى به في هذا الدعاء ويستغيث ربه كما استغاث . الإيضاح ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) أي اذكروا وقت استغاثتكم ربكم قائلين ربنا انصرنا على عدوك ، يا غياث المستغيثين أغثنا ، والأمر بهذا الذكر لبيان نعمة اللّه عليهم حين التجائهم إليه ، إذ ضاقت عليهم الحيل وطلبوا مخلصا من تلك الشدة فاستجاب دعاءهم كما قال : ( فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) أي فأجاب دعاءكم بأنى ممدكم بألف من الملائكة يردف بعضهم بعضا ويتبعه ، وهذا الألف هي وجوههم وأعيانهم - وبهذا يطابق ما جاء في سورة آل عمران : « بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ - بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ » .