أحمد مصطفى المراغي
174
تفسير المراغي
( وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) أي وما جعل ذلك الإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون ، ولتسكن به قلوبكم من الزلزال الذي عرض لكم فكان من مجادلتكم للرسول في أمر القتال ما كان ، وبذا تلقون أعداءكم ثابتين موقنين بالنصر . ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) أي ليس النصر إلا من عند اللّه دون غيره من الملائكة أو سواهم من الأسباب ، فهو سبحانه الفاعل للنصر والمسخّر له كتسخيره للأسباب الحسية والمعنوية ، ولا سيما ما لا كسب للبشر فيه كتسخير الملائكة تخالط المؤمنين فتفيد أرواحهم الثبات والاطمئنان . ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي إنه تعالى غالب على أمره ، حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه . وظاهر الآية يدل على أنّ لإنزال الملائكة وإمداد المسلمين بهم فائدة معنوية ، فهو يؤثّر في القلوب فيزيدها قوة وإن لم يكونوا محاربين ، وهناك روايات تدل على أنهم قاتلوا فعلا . وفي يوم أحد وعدهم اللّه وعدا معلقا على الصبر والتقوى ، ولكن الشرط الأخير قد انتفى فانتفى ما علق عليه . ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ) أي إنه تعالى ألقى عليهم النعاس حتى غشيهم غلب عليهم تأمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم من الفرق الشاسع بينهم وبين عدوهم في العدد والعدّة ونحو ذلك ، إذ من غلب عليه النعاس لا يشعر بالخوف ، كما أن الخائف لا ينام ولكن قد ينعس إذ تفتر منه الحواس والأعصاب . روى البيهقي في الدلائل عن علي كرم اللّه وجهه قال : « ما كان فينا فارس بوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلى تحت شجرة حتى أصبح » والمتبادر من الآية أن النعاس كان في أثناء القتال ، وهو يمنع الخوف ، لأنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر .