أحمد مصطفى المراغي
147
تفسير المراغي
وهذه الآية تشمل أصول الفضائل فهي من أسس التشريع التي تلى في المرتبة أصول العقيدة المبنية على التوحيد الذي تقرر فيما سلف بأبلغ وجه وأتم برهان . الإيضاح ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) أمر اللّه نبيه في هذه الآية بثلاثة أشياء هي أسس عامة للشريعة في الآداب النفسية والأحكام العملية : ( 1 ) العفو : وهو السهل الذي لا كلفة فيه : أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم وتسهّل من غير كلفة ، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى ينفروا ، وهذا كما جاء في الحديث « يسّروا ولا تعسّروا » وقال الشاعر : خذي العفو منى تستديمى مودتي * ولا تنطقى في سورتي حين أغضب وقيل إن المعنى خذ العفو وما تسهّل من صدقاتهم . والخلاصة - إن من آداب الدين وقواعده اليسر وتجنب الحرج وما يشق على الناس ، وقد صح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما . ( 2 ) الأمر بالمعروف : وهو ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه ، ولا شك أن هذا مبنى على اعتبار عادات الأمة الحسنة وما تتواطأ عليه من الأمور النافعة في مصالحها . وإجمال القول فيه - إنه اسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللّه والتقرب إليه والإحسان إلى الناس . وقد ذكر المعروف في السور المدينة في الأحكام الشرعية العملية كوصف الأمة الإسلامية وحكومتها كقوله : « الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ » وقوله : « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » .