أحمد مصطفى المراغي

31

تفسير المراغي

المعنى الجملي بعد أن حكى عز اسمه عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضا - أردف ذلك ببيان أن ذلك يحدث بتقديره تعالى وقضائه . الإيضاح ( وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) تولية اللّه الناس بعضهم بعضا جعل بعضهم أنصارا وأولياء لبعض ، إما بمقتضى أمره في شرعه ومقتضى سنّته وتقديره كما في ولاية المؤمنين بعضهم بعضا في الحق والخير والمعروف ، فقد أمرهم بذلك في شرعه ونهاهم عن ضده ، وهو أيضا مقتضى الإيمان الصادق وأثره الذي لا ينفك عنه بحسب تقديره الذي مضت به سنته في خلقه ، وإما بمقتضى سنته وتقديره فحسب وهو ولاية الكفار المجرمين والمنافقين بعضهم بعضا ، إذ هذا أثر مترتب على الاتفاق في الاعتقاد . والأخلاق واشتراك المنفعة بحسب تقديره تعالى وسنته في نظم الحياة البشرية ، وهو لم يأمرهم بشيء مما يتناصرون به في الباطل والشر والمنكر ، بل نهاهم عن ذلك ، ولكن شأن الأفراد والجماعات أن يميل كل منهم إلى من كان على شاكلته ويتولاه بالتعاون والتناصر فيما هم فيه مشتركون ويناوءون من يخالفهم في ذلك . أي ومثل ذلك الذي ذكر من استمتاع أولياء الإنس والجن بعضهم ببعض في الدنيا ، لما بينهم من التناسب والمشاكلة نولى بعض الظالمين بعضا لأنفسهم وللناس ، بسبب ما كانوا يكسبون باختيارهم من أعمال الظلم المشتركة بينهم . روى عن قتادة أنه قال في تفسير الآية : إنما يولى اللّه بين الناس بأعمالهم ، فالمؤمن ولىّ المؤمن من أين كان وحيث كان والكافر ولىّ الكافر من أين كان وحيثما كان وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولعمري لو عملت بطاعة اللّه ولم تعرف أهل طاعة اللّه ما ضرّك ذلك ، ولو عملت بمعصية اللّه وتولّيت أهل طاعة اللّه ما نفعك ذلك شيئا ا ه .