أحمد مصطفى المراغي
32
تفسير المراغي
وروى أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال : سألت الأعمش عن قوله تعالى ( وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ) ما سمعتهم يقولون فيه ؟ قال : سمعتهم يقولون : إذا فسد الناس أمّر عليهم شرارهم ا ه . ذاك أن الملوك يتصرفون في الأمم الجاهلة الضالة تصرف الرعاة في الأنعام السائمة ، فهم يتخذون الوزراء والحاشية من أمثالهم فيقلدهم جمهور الأمة في سيئ أعمالهم ، فيغلب الفساد على الصلاح ، ويفسقون عن أمر اللّه فيهلكون ، أو يسلط عليهم الأمم القوية التي تستبيح حماهم وتثلّ عروشهم ويصبحون مستعبدين أذلاء بعد أن كانوا سادة أعزاء كما قال سبحانه : « وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً » اما الأمم العالمة بسنن الاجتماع التي أمرها شورى بين زعمائها وأهل الرأي فيها ، فلا يستطيع الملوك أن يتصرفوا فيها كما يشاءون ، بل يكونون تحت مراقبة أولي الأمر فيها . وقد وضع الإسلام هذا الدستور فجعل أمر الأمة بين أهل الحل والعقد ، وأمر الرسول بالمشاورة ، فسار على هذا النهج . وجعلت الولاية العامة - الخلافة - بالانتخاب . واقتفى الخلفاء الراشدون خطواته وجروا على سنته ، فقال الخليفة الأول أبو بكر رضي اللّه عنه في أول خطبة له : أما بعد فإني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم ، فإذا استقمت فأعينونى ، وإذا زغت فقوّمونى . وقال الخليفة الثاني على المنبر : من رأى منكم فىّ اعوجاجا فليقوّمه . . وقال الخليفة الثالث على المنبر أيام الفتنة : أمرى لأمركم تبع . وقوله ( الظَّالِمِينَ ) يشمل الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس من الحكام وغيرهم ، إذ كل من هؤلاء وأولئك يتولى من يشاء كله في أخلاقه وأعماله وينصره على من يخالفه . ثم أجاب سبحانه عن سؤال يخطر بالبال وهو : ما حال الظالمين إذا قدموا على اللّه يوم القيامة ؟ فأجاب بأنهم يسألون فقال :