أحمد مصطفى المراغي
20
تفسير المراغي
( وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ) أي وكما أن أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، فزين لهم بحسب سننا في البشر سوء أعمالهم في عدوان الرسل ومقاومة الإصلاح اتباعا للهوى ، واستكبارا في الأرض . ومجمل القول : إن سنة اللّه في الاجتماع البشرى قد قضت أن يكون في كل عاصمة لشعب أو أمة بعث فيها رسول أو لم يبعث - زعماء مجرمون يمكرون بالرسل وبسائر المصلحين من بعدهم ، وهكذا كان الحال في أكثر أكابر الأمم والشعوب ولا سيما في العصور التي تكثر فيها المطامع ويعظم حب الرئاسة والكبرياء فتراهم يمكرون بالأفراد والجماعات ، فيحفظوا رياستهم ويعززوا كبرياءهم كما يمكرون بغيرهم من الساسة والرؤساء إرضاء لمطامع أمتهم وتعزيز نفوذ حكومتهم بين الشعوب والدول . والمراد بالأكابر المجرمين من يقاومون دعوة الإصلاح ويعادون المصلحين من الرسل وورثتهم ، وكان أكثر أكابر مكة كذلك ، وتخصيص الأكابر بذلك لأنهم أقدر على المكر واستتباع الناس لهم . ( وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ) أي وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل في عصرهم ودعاة الإصلاح من ورثتهم من بعدهم - إلا بأنفسهم . وهكذا شأن من يعادون الحق والعدل ليبقى لهم ما هم عليه من فسق وفساد ، لأن سنة اللّه قد جرت بأن عاقبة المكر السيئ تحيق بأهله في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فبما ثبت في القرآن من نصر المرسلين وهلاك الكافرين المعاندين ، ومن علو الحق على الباطل ، ومن هلاك القرى الظالمة ، وبما أيده الاختبار ودلّت عليه نظم العمران من أن تنازع البقاء يقضى ببقاء الأمثل والأصلح « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ » . وقد أشارت الآيات إلى أن هذا كان سنة اللّه في الأولين فقال : « وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ