أحمد مصطفى المراغي
14
تفسير المراغي
وقد كان مشركو العرب وغيرهم من أرباب الملل والنحل يجعلون الذبائح من أمور العبادات ، ويقرنونها بأصول الدين والاعتقادات ، فيتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم ومن قدّسوا من رجال دينهم ، ويهلون لهم عند ذبحها ، وهذا شرك باللّه ، لأنه عبادة يقصد بها غيره ، سواء سمّوه إلها أو معبودا أو لم يسموه ، وقد وقع كثير من المسلمين في مثل ما كان عليه أولئك الضالون المشركون من مشركي العرب وسواهم فذبحوا باسم بعض الأولياء والصالحين ، وسيّبوا لهم السوائب ، فتراهم ينذرون العجول والخراف للسيد البدوي وغيره من أرباب الأضرحة والقبور ممن يستشفعون بهم إلى ربهم في زعمهم ، وهذا شرك صريح . ( وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) العرب تقول مالك ألا تفعل كذا ، على معنى وأي شئ يمنعك من ذلك ؟ والمراد هنا وأي شئ يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ؟ ( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) أي وقد فصل لكم ما حرمه عليكم وبينه بما سيأتي في قوله : « قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » ومعنى أهلّ لغير اللّه به أي ذكر عليه اسم غيره عند ذبحه كالأصنام والأنبياء والصالحين الذين وضعت التماثيل ذكرى لهم . ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) أي إلا ما دعتكم الضرورة إلى أكله بأن لم يوجد من الطعام عند شدة الجوع إلا المحرم فحينئذ يزول التحريم . والقاعدة الشرعية « الضرورات تبيح المحظورات » والقاعدة الأخرى « الضرورة تقدّر بقدرها » فيباح للمضطر ما تزول به الضرورة ويتّقى به الهلاك أكثر منه . ( وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أي وإن كثيرا من الناس يضلون غيرهم بأهوائهم الزائغة وشهواتهم الفاسدة من غير علم منهم بصحة ما يقولون ، ولا برهان على ما فيه يجادلون ، اعتداء وخلافا لأمر اللّه ونهيه وطاعة للشياطين ، كعمرو بن لحىّ