أحمد مصطفى المراغي
15
تفسير المراغي
وقومه الذين اتخذوا البحائر والسوائب ، وأحلوا أكل الميتة ، وما أهل به لغير اللّه بذكر اسم ذلك من نبي أو وثن أو صنم . وأصل عبادة الأوثان أنه كان في القوم الذين أرسل إليهم نوح رجال صالحون ، فلما ماتوا وضعوا لهم أنصابا ليتذكروهم بها ويقتدوا بهم ، ثم صاروا يكرمونها لأجلهم ، ثم خلف من بعدهم خلف جهلوا حكمة وضعها لكنهم حفظوا تكريمها ، والتبرك بها ، تدينا وتوسلا إلى اللّه ، فكان ذلك عبادة لها وتسلسل في الأمم بعدهم ، وقد روى البخاري عن ابن عباس : إن المضلين يبنون شبهاتهم على جميع أنواع العبادة التي عبدوا بها غير اللّه كالتوسل به ودعائه ، وطلب الشفاعة منه ، وذبح القرابين باسمه ، والطواف حول تمثاله أو قبره والتمسح بأركانهما ، وكل ذلك شرك في العبادة ، شبهته تعظيم المقربين من اللّه تعالى للتقرب بهم إليه . وقد انتشرت هذه الشبهات الوثنية في أرباب الكتب الإلهية ، وأولو لأجلها النصوص القطعية وأنكروا تسمية ذلك عبادة ، أو أن هذه العبادة إذا كانت لغير اللّه لجعله واسطة ووسيلة إليه لا تعد شركا به ، وما الشرك في العبادة إلا هذا . ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) أي إن ربك الذي أرشدك وهداك هو أعلم منك ومن سائر خلقه بالمعتدين الذين يتجاوزون ما أحله إلى ما حرمه عليهم ، أو يتجاوزون حد الضرورة عند وقوعها . وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا يخفى . وفي الآية إيماء إلى تحريم القول في الدين بالتقليد لأن ذلك من اتباع الأهواء ، بغير علم ، إذ المقلد غير عالم بما قلّد فيه . ( وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ) الإثم لغة ما قبح ، وشرعا ما حرمه اللّه ، واللّه لم يحرم على عباده إلا ما كان ضارا بالأفراد في أنفسهم أو في أموالهم أو في عقولهم أو في أعراضهم أو في دينهم ، أو ضارا بالجماعات في مصالحهم السياسية أو لاجتماعية . والظاهر منه ما تعلق بأفعال الجوارح ، والباطن ما تعلق بأعمال القلوب ، كالكبر والحسد وتدبير المكايد الضارة والشرور للناس ، ومنه الاعتداء في أكل المحرم الذي