أحمد مصطفى المراغي

6

تفسير المراغي

والقسوة ، وضعف عاطفة الحنان والرحمة ، والعصبية الجنسية ، والحميّة القوية ، ولكنّ مشركي العرب على جاهليتهم كانوا أرق من اليهود قلوبا ، وأعظم سخاء وإيثارا ، وأكثر حرية في الفكر واستقلالا في الرأي . وقدّم سبحانه ذكر اليهود للإشارة إلى تفوقهم على العرب فيما وصفوا به ، فضلا عما امتازوا به من قتل بعض الأنبياء وإيذاء بعض آخر ، واستحلال أكل أموال غيرهم بالباطل . ولم يكن ميلهم مع المسلمين في البلاد المقدسة والشام والأندلس إلا ميلا وراء مصلحتهم الخاصة ، إذ هم تفيئوا ظلال عدلهم ، واستراحوا به من اضطهاد النصارى في تلك البلاد . ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ، الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) أي ولتجدنّ أقرب الناس محبة للذين آمنوا بك وصدقوك - الذين قالوا إنا نصارى - فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى من نصارى الحبشة أحسن المودة ؛ بحماية المهاجرين الذين أرسلهم صلى اللّه عليه وسلم في أول الإسلام من مكة إلى الحبشة ، خوفا عليهم من مشركيها الذين كانوا يؤذونهم أشد الإيذاء ، ليفتنوهم عن دينهم . ولما أرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم كتبه إلى الملوك ورؤساء الشعوب كان النصارى منهم أحسنهم ردا ، فهرقل ملك الروم في الشام حاول إقناع رعيته بقبول الإسلام فلم يستطع ، لجمودهم على التقليد فاكتفى بالرد الحسن ، والمقوقس عظيم القبط في مصر كان أحسن منه ردا ، وإن لم يكن أكثر منه ميلا إلى الإسلام ، وأرسل للنبي صلى اللّه عليه وسلم هدية حسنة ، ثم لما فتحت مصر والشام وعرف أهلهما ما للإسلام من مزايا أهر عوا إلى الدخول في الدين أفواجا وكان القبط أسرع إليه قبولا . والخلاصة - إن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين به رأوا في عصره من مودة النصارى وقربهم من الإسلام بقدر ما رأوا من عداوة اليهود والمشركين ، وأن من توقف من ملوكهم عن الإسلام فما كان توقفه إلا ضنا بملكه ، وأن النجاشي أصحمة ملك