أحمد مصطفى المراغي
7
تفسير المراغي
الحبشة قد أسلمت معه بطانته من رجال الدين والدنيا ، ولكن الإسلام لم ينتشر في الحبشة بعد موته ، ولم يهتم المسلمون بإقامة دينهم في تلك البلاد كما فعلوا في مصر والشام . ثم بين سبحانه وتعالى سبب مودة النصارى للذين آمنوا فقال : ( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) أي إن السبب في هذه المودة أن منهم قسيسين يتولون تعليمهم التعليم الديني ويهذبون أخلاقهم ويربون فيهم الآداب والفضائل ، ورهبانا يعوّدونهم الزهد والتقشف والإعراض عن زخرف الدنيا ونعيمها ، ويكبرون في نفوسهم الخوف من اللّه والانقطاع لعبادته ، وأنهم لا يستكبرون عن الإذعان للحق إذا ظهر أنه الحق ، إذ من فضائل دينهم التواضع والتذلل والخضوع لكل حاكم ، بل إنهم أمروا بمحبة الأعداء ، وإدارة الخدّ الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن . فكل أولئك يؤثّر في جمهور الأمة وسوادها الأعظم ، وقد عهد من النصارى قبول سلطة المخالف لهم طوعا واختيارا ، بخلاف اليهود فإنهم إذا أظهروا الرضا اضطرارا أسرّوا الكيد وأضمروا المكر ، لأن الشريعة اليهودية تولد في نفوسهم العصبية الجنسية والحميّة القومية ، لأنها خاصة بشعب إسرائيل ، وأحكامها ونصوصها مبنية على ذلك . ( وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ) أي وإذا سمع أولئك الذين قالوا إنا نصارى ما أنزل إلى الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي بعثه اللّه رحمة للعالمين ؛ ترى أعينهم تفيض من الدمع حتى يتدفق من جوانبها لكثرته من أجل ما عرفوه من الحق الذي بيّنه لهم القرآن الكريم ، ولم يمنعهم ما يمنع غيرهم من عتوّ واستكبار . ثم ذكر سبحانه ما يكون منهم من القول إثر بيان ما كان من حالهم فقال : ( يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) أي يقولون هذه المقالة قاصدين بها إنشاء الإيمان والتضرع إلى اللّه والخضوع له بأن يتقبله منهم ويكتبهم مع أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم الذين جعلهم اللّه تعالى شهداء على الناس ، لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم ومما يتناقلونه عن أسلافهم أن النبي الأخير الذي يكمل به الدين ويتم به التشريع