أحمد مصطفى المراغي
21
تفسير المراغي
في سبب نزول الآيات أن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه قال : « فىّ نزل تحريم الخمر - صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فأتاه ناس فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر وذلك قبل تحريمها ، فتفاخروا فقالت الأنصار : الأنصار خير . وقالت قريش : قريش خير ، فأهوى رجل بلحى جزور ( فك رأس جزور ) فضرب على أنفى ففزره . قال فأتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكرت له ذلك فنزلت » . وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وابن مردويه عن ابن عباس قال : إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا ، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض ، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته فيقول : صنع بي هذا أخي فلان واللّه لو كان رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا ، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل اللّه هذه الآية ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) فقال ناس من المتكلفين : هي رجس وهي في بطن فلان قتل يوم بدر ، وفي بطن فلان قتل يوم أحد ، فأنزل اللّه ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ) الآية . و في مسند أحمد ومسند أبى داود والترمذي « أن عمر كان يدعو اللّه تعالى : اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فلما نزلت آية البقرة قرأها عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فظل على دعائه ، وكذلك لما نزلت آية النساء ، فلما نزلت آية المائدة دعى فقرئت عليه فلما بلغ قول اللّه تعالى ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) قال : انتهينا انتهينا » . والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج أن الناس كانوا مغرمين بحبها كلفين بها فلو حرمت في أول الإسلام لكان تحريمها صارفا لكثير من المدمنين لها عن الإسلام ، ومن ثم جاء تحريمها أولا في سورة البقرة على وجه فيه مجال للاجتهاد فيتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه ، ثم ذكرها في سورة النساء بما يقتضى تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة ، إذ نهى عن القرب من الصلاة في حال السكر فلم يبق لمن يصرّ