أحمد مصطفى المراغي

14

تفسير المراغي

والمعنى - وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل الكتاب لفى تردد من حقيقة أمره ، إذ ليس لهم به من علم قطعىّ الثبوت ، وإنما هم يتبعون الظن والقرائن التي ترجح بعض الآراء على بغض ، وقد جاء في بعض الأناجيل التي يعوّلون عليها أنه قال لتلاميذه ( كلكم تشكّون في هذه الليلة ) أي الليلة التي يطلب فيها للقتل ( إنجيل متى من 26 - 31 ومرقس من 14 - 27 ) . وإذا كانت أناجيلهم تنطق بأنه أخبر تلاميذه أو عرف الناس له بأنهم سيشكون فيه في ذلك الوقت ، وخبره صادق قطعا ، فهل من العجيب اشتباه غيرهم وشكّ من دونهم في أمره ؟ . ( وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ) أي وما قتلوا عيسى بن مريم وهم متيقنون أنه هو بعينه ، إذ هم لم يكونوا يعرفونه حق المعرفة ، والأناجيل التي يعوّل عليها صريحة في أن الذي أسلمه إلى الجند هو يهوذا الإسخريوطي وقد جعل لهم علامة أن من قبله يكون هو المسيح فلما قبّله قبضوا عليه ، وإنجيل برنابا يصرح بأن الجنود أخذوا يهوذا الإسخريوطي نفسه ظنا أنه هو المسيح ، لأنه ألقى عليه شبهه ، ومن هذا تعلم أن الجند ما كانوا يعرفون شخص المسيح معرفة يقينية . والخلاصة - إن روايات المسلمين جميعها متفقة على أن عيسى عليه السلام نجا من أعدائه ومريدى قتله فقتلوا آخر ظنا منهم أنه هو . ( بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ) هذه الآية كآية آل عمران « إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » وقد روى عن ابن عباس أنه فسر التوفى بالإماتة ، وعن ابن جريج تفسيره بالأخذ والقبض والمراد منه ومن الرفع إنقاذه من الذين كفروا بعناية من اللّه بعد أن اصطفاه إليه وقربه . وقال ابن جرير نقلا عن ابن جريج : فرفعه إياه توفيه إياه وتطهيره من الذين كفروا أي فليس المراد الرفع إلى السماء بالروح والجسد ولا بالروح فقط ، وفي تفسير ابن عباس