أحمد مصطفى المراغي

15

تفسير المراغي

معنى الرفع رفع الروح ، ولكن المشهور بين جمهرة المفسرين وغيرهم أن اللّه تعالى رفعه بروحه وجسده إلى السماء بدليل حديث المعراج ، إذ أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رآه هو وابن خالته يحيى في السماء الثانية ، وأنت ترى أنه لا دليل لهم في ذلك إذ لو دل هذا على ما يقولون لدل على رفع يحيى وسائر من رآهم من الأنبياء في سائر السماوات ولا قائل بذلك . وقال الرازي - المعنى رافعك إلى محل كرامتي ، وجعله رفعا للتفخيم والتعظيم كقوله حكاية عن إبراهيم « إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي » وهو إنما ذهب من العراق إلى الشام ، والمراد رفعه إلى مكان لا يملك الحكم فيه عليه إلا اللّه اه . ( وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) أي إن اللّه عزيز يغلب ولا يغلب ، وبهذه العزة أنقذ عبده ورسوله من اليهود الماكرين وحكام الروم الظالمين ، وبحكمته جازى كل عامل بعمله ، ومن ثم أحل باليهود ما أحل بهم من الذلة والمسكنة والتشريد في الأرض ، وسيوفيهم جزاءهم يوم القيامة « يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ » . ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) أي وإن كل أحد من أهل الكتاب عندما يدركه الموت ينكشف له الحق في أمر عيسى وسواه من أمور الدين فيؤمن بعيسى إيمانا حقا لا زيغ فيه ولا ضلال ، فاليهودي يعلم أنه رسول صادق في رسالته ليس بالكذاب ، والنصراني يعلم أنه عبد اللّه ورسوله وليس بإله وليس هو بابن للّه . وفائدة إخبارهم بذلك - بيان أنه لا ينفعهم حينئذ فعليهم أن يبادروا به قبل أن يضطرّوا إليه مع عدم الجدوى والفائدة . ( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) أي ويوم القيامة يشهد عيسى عليهم بما تظهر به حقيقة حاله معهم كما حكى اللّه عنه من قوله : « ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ » فهو يشهد