أحمد مصطفى المراغي

68

تفسير المراغي

والطب الحديث ] والحكمة في تبديل جلود الكفار ، أن أعصاب الألم هي في الطبقة الجلدية ، وأما الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية فالإحساس فيها ضعيف ، ولذلك يعلم الطبيب أن الحرق البسيط الذي لا يتجاوز الجلد يحدث ألما شديدا ، بخلاف الحرق الشديد الذي يتجاوز الجلد إلى الأنسجة ، لأنه مع شدته وخطره لا يحدث ألما كثيرا ، فاللّه يقول لنا إن النار كلما أكلت الجلد الذي فيه الأعصاب نجدده كي يستمر الألم بلا انقطاع ، ويذوقوا العذاب الأليم ، وهنا تظهر حكمة اللّه قبل أن يعرفها الإنسان ، وكان اللّه عزيزا حكيما اه . ثم ذكر السبب فيما تقدم فقال : ( لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) ليدوم لهم ذوق العذاب ، لأن الإحساس يصل إلى النفس بواسطة الحياة في الجلد ، وفي هذا إزالة لوهم ربما يعرض لبعض الناس قياسا على ما يعهدون في أنفسهم في الدنيا من أن الذي يتعود الألم يقلّ شعوره به ويصير عاديا عنده ، كما يشاهد في كثير من الآلام والأمراض التي يطول أمدها . وفي التعبير بيذوقوا إيماء إلى أن إحساسهم بذلك العذاب يكون كإحساس الذائق المذوق لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق . ثم أكد سابق الكلام وبين علته فقال : ( إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ) أي إنه تعالى عزيز قادر لا يمتنع عليه شئ مما توعد به أو وعد ، حكيم يعاقب من يعاقبه وفق الحكمة ، ومن حكمته أن ربط الأسباب بالمسببات فلا يستطيع أحد أن يغلبه على أمره فيبطل اطرادها ، فهو كما جعل الكفر والمعاصي سببا للعذاب كما تقدم في الآية ، جعل الإيمان والعمل الصالح سببا للنعيم ، وذلك ما بينه بقوله : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) أي إن الذين آمنوا باللّه وصدقوا برسوله سيدخلون جنات يتمتعون بنعيمها العظيم كفاء ما أخبتوا إلى ربهم وقدّموا من عمل صالح ، لأن الإيمان وحده