أحمد مصطفى المراغي

54

تفسير المراغي

قالوا سمعنا قولك وأطعنا أمرك ، لعلمهم بصدقك ولوجود الأدلة والبينات المتظاهرة على ذلك ، وكذلك لو قالوا : اسمع منا ما نقول وانظرنا : أي أمهلنا وانتظرنا ولا تعجل علينا حتى نتفهم عنك ما تقول ، لكان ذلك خيرا لهم وأصوب مما قالوه ، لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة . ثم بين عاقبة أمرهم فقال : ( وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ) أي ولكن خذلهم اللّه وأبعدهم عن الطاعة بسبب كفرهم ، إذا مضت سنة اللّه في البشر بأن الكفر يمنع صاحبه من التفكر والتروّى والأدب في الخطاب ، ويجعله بعيدا من الخير والرحمة ، فلا يمتّ إليهما بسبب ، ولا يصل إليهما برحم ولا نسب . ( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) أي فهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا يعتدّ به ، فهو لا يصلح عملا ولا يطهر نفسا ولا يرقى عقلا ، ولو كان إيمانهم بنبيهم وكتابهم إيمانا كاملا لهداهم إلى التصديق بمن جاء مصدقا لما معهم من الكتاب ، وبين لهم ما نسوا منه وما حرفوا فيه ، كما جاءهم بمكارم الأخلاق والنظم الكاملة في الاجتماع والتشريع ، وبما إن اتبعوه كانوا على الهدى والرشاد ، وعلى الحق والسداد . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) تفسير المفردات الكتاب : التوراة ، الطمس : إزالة الأثر بمحوه أو إخفائه كما تطمس آثار الدار وأعلام الطرق ، إما بأن تنقل حجارتها ، وإما بأن تسفوها الرياح ، ومنه الطمس على الأموال في قوله « رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ » أي أزلها وأهلكها ، والطمس على