أحمد مصطفى المراغي

55

تفسير المراغي

الأعين في قوله « وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ » إما إزالة نورها وإما محو حدقتها ، والوجه تارة يراد به الوجه المعروف ، وتارة وجه النفس وهو ما تتوجه إليه من المقاصد كما قال تعالى « أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ » وقال « وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ » وقال « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً » والأدبار واحدها دبر ، وهو الخلف والقفا ، والارتداد : هو الرجوع إلى الوراء ، إما في الحسيات وإما في المعاني ، ومن الأول الارتداد والفرار في القتال ، ومن الثاني قوله « إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ » ونلعنهم : نهلكهم ، كما لعنا أصحاب السبت ، أي كما أهلكنا أصحاب السبت ، وقيل مسخهم اللّه وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن جرير عن الحسن . المعنى الجملي بعد أن نعى على أهل الكتاب في الآية السالفة اشتراءهم الضلالة بالهدى بتحريفهم بعض الكتاب وإضاعة بعضه الآخر - ألزمهم هنا بالعمل بما عرفوا وحفظوا بأن يؤمنوا بالقرآن ، ذلك أن إيمانهم بالتوراة يستدعى الإيمان بما يصدّقها ، وحذّرهم من مخالفة ذلك ، وتوعدهم بالويل والثبور ، وعظائم الأمور . الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) أي أيها اليهود والنصارى آمنوا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معكم ، من تقرير التوحيد والابتعاد عن الشرك ، وما يقوّى ذلك الإيمان من ترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وتلك هي أصول الدين وأركانه ، والمقصد الأسمى من إرسال جميع الرسل ، ولا خلاف بينهم في ذلك ، وإنما الخلاف في التفاصيل وطرق حمل الناس عليها ، وهدايتهم بها ، وترقيتهم في معارج الفلاح بحسب السنن التي وضعها اللّه في ارتقاء البشر ، بتعاقب الأجيال ، واختلاف الأزمان .