أحمد مصطفى المراغي
182
تفسير المراغي
حقيقة الإيمان ولا ذاقوا حلاوته ، ولا أشربت قلوبهم حبه ، ولا عرفوا فضائله ومناقبه . ثم أوعد بعدئذ المنافقين بالعذاب الأليم وذكر أنهم أنصار الكافرين على المؤمنين ، فلا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا منهم أولياء ، ولا أن يبتغوا عندهم جاها ولا منزلة . الإيضاح ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) أي إن هؤلاء قد استبان من ذبذبتهم واضطراب أحوالهم من إيمان إلى كفر ، ثم من كفر إلى إيمان وهكذا دواليك - أنهم قد فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله ؛ ومثلهم لا يرجى لهم - بحسب سنن اللّه في خليقته - أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل اللّه ، فجدير بهم أن يمنع اللّه عنهم رحمته ورضوانه ، ومغفرته وإحسانه ، لأن أرواحهم قد دنّست ، وقلوبهم قد عميت ، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء في ثواب . واللّه أرحم الراحمين واسع المغفرة لم يكن ليحرم أحدا المغفرة والهداية بمحض الخلق والمشيئة ، وإنما مشيئته مقترنة بحكمته ، وقد جرت سنة اللّه وحكمته الأزلية بأن يكون كسب البشر لعلومهم وأعمالهم مؤثرا في نفوسهم ، فمن طال عليه أمد التقليد حجب عن عقله نور الدليل ، ومن طال عليه عهد الفسوق والعصيان حرم من أسباب الغفران التي ذكرها سبحانه في قوله « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » . ولا شك أن المغفرة وهي محو أثر الذنب من النفس إنما تكون بتأثير التوبة والعمل الصالح الذي يزيل ما علق في النفس من تلك الآثام كما قال تعالى « إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ » . ( بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) البشارة لا تستعمل غالبا إلا في سارّ الأخبار ، إذ هي مأخوذة من انبساط بشرة الوجه ، فاستعمالها في الأخبار السيئة يكون من باب