أحمد مصطفى المراغي
183
تفسير المراغي
التهكم والتوبيخ ، أي بشر المنافقين بالعذاب المؤلم الذي لا يقدر قدره ، ولا يحيط بكنهه إلا علام الغيوب . ثم بين بعض صفاتهم التي تستوجب الذم فقال : ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي هؤلاء المنافقون هم الذين يتخذون الكافرين المعادين للمؤمنين أولياء وأنصارا ، ويتجاوزون ولاية المؤمنين ويتركونها ، ويمالئون الكافرين عليهم ، اعتقادا منهم أن الدّولة ستكون لهم ، فيجعلون لهم يدا عندهم ثم وبخهم على ما فعلوا فقال : ( أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ؟ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) العزة : القوة والمنعة : أي إن كانوا هم بذلك يطلبون عندهم الغلبة والمنعة ، فإن العزة للّه يؤتيها من يشاء ، فعليهم أن يطلبوها منه تعالى بصادق إيمانهم واتباعهم هدايته التي أرشد إليها أنبياءه ، وبيّنوا لهم أسبابها ، وقد آتاها المؤمنين حينما اهتدوا بكتابه ، وساروا على سننه ونهجوا نهجه ، فلما أعرضوا عن هذه الهداية التي اعتز بها أسلافهم ذلوا وخنعوا لعدوهم وصار منهم منافقون يوالون الكافرين يبتغون عندهم عزة وشرفا وما هم لها بمدركين . وبعدئذ نهى المؤمنين أن يجلسوا مع من يتنقص الدين ويزدرى بأحكامه فقال : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) الخطاب موجه إلى كل من يظهر الإيمان سواء أكان مؤمنا حقا أم منافقا ، وما نزله في الكتاب هو قوله في سورة الأنعام المكية « وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ » وقد كان بعض المسلمين يجلسون مع المشركين وهم يخوضون في الكفر وذم الإسلام والاستهزاء بالقرآن ولا يستطيعون الإنكار عليهم لضعفهم وقوة المشركين ، فأمروا بالإعراض عنهم وعدم الجلوس معهم في هذه الحال . ثم إن يهود المدينة كانوا يفعلون فعل مشركي مكة ، وكان المنافقون يجلسون معهم ويستمعون إليهم فنهى اللّه المؤمنين عن ذلك .