أحمد مصطفى المراغي
16
تفسير المراغي
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 29 إلى 30 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) المعنى الجملي بعد أن ذكر فيما سلف كيفية معاملة اليتامى وإيتاء أموالهم إليهم عند الرشد وعدم دفع الأموال إلى السفهاء ، ثم بين وجوب دفع المهور للنساء وأنكر عليهم أخذها توجه من الوجوه ، ثم ذكر وجوب إعطاء شئ من أموال اليتامى إلى أقاربهم إذا حضروا القسمة ، ذكر هنا قاعدة عامة للتعامل في الأموال تطهيرا للأنفس في جمع المال المحبوب لها فقال : الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) الباطل من البطل والبطلان وهو الضياع والخسار ، وفي الشرع أخذ المال بدون عوض حقيقي يعتد به ، ولا رضا ممن يؤخذ منه ، أو إنفاقه في غير وجه حقيقي نافع ، فيدخل في ذلك النصب والغش والخداع والربا والغبن وإنفاق المال في الوجوه المحرمة والإسراف بوضع المال فيما لا يرضى به العقلاء . قوله « بَيْنَكُمْ » رمز إلى أن المال المحرم يكون عادة موضع التنازع في التعامل بين الآكل فالمأكول منه كل منهما يريد جذبه إليه ، والمراد بالأكل الأخذ على أي وجه ، وعبر عنه الأكل لأنه أكثر أوجه استعمال المال وأقواها ، وأضاف الأموال إلى الجميع ولم يقل لا يأكل بعضكم مال بعض ، تنبيها إلى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح كأن مال كل واحد منها هو مال الأمة جميعها ، فإذا استباح أحدهم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان