أحمد مصطفى المراغي
17
تفسير المراغي
كأنه أباح لغيره أن يأكل ماله فالحياة قصاص ، وإرشادا إلى أن صاحب المال يجب عليه بذل شئ منه للمحتاج وعدم البخل عليه به ، إذ هو كأنما أعطاه شيئا من ماله . وبهذا قد وضع الإسلام قواعد عادلة للأموال لدى من يعتنق مبادئه وهي : 1 ) أن مال الفرد مال الأمة مع احترام الحيازة والملكية وحفظ حقوقها ، فهو يوجب على ذي المال الكثير حقوقا معينة للمصالح العامة ، وعلى ذي المال القليل حقوقا أخرى للبائسين وذوى الحاجات من سائر أصناف البشر ، ويحث على البر والإحسان والصدقات في جميع الأوقات . وبهذا لا يوجد في بلاد الإسلام مضطر إلى القوت أو عريان ، سواء أكان مسلما أم غير مسلم ، لأن الإسلام فرض على المسلمين إزالة ضرورة المضطر ، كما فرض في أموالهم حقوقا للفقراء والمساكين . وكل فرد يقيم في بلادهم يرى أن مال الأمة هو ماله ، فإذا اضطر إليه يجده مذخورا له ، كما جعل المال المفروض في أموال الأغنياء تحت سيطرة الجماعة الحاكمة من الأمة حتى لا يمنعه من في قلبه مرض ، وحثهم على البذل ورغبهم فيه ، وذمهم على البخل ووكل ذلك إلى أنفسهم ، لتقوى لديهم ملكة السخاء والمروءة والرحمة . 2 ) أنه لم يبح للمحتاج أن يأخذ ما يحتاج إليه من أيدي أربابه إلا بإذنهم ، حتى لا تنتشر البطالة والكسل بين أفراد الأمة ، وتوجد الفوضى في الأموال ، والضعف والتواني في الأعمال ، ويدبّ الفساد في الأخلاق والآداب . ولو أقام المسلمون معالم دينهم ، وعملوا بشرائعه ، لضربوا للناس الأمثال واستبان لهم أنه خير شريعة أخرجت للناس ، ولأقاموا مدنية صحيحة في هذا العصر يتأسى بها كل من يريد سعادة الجماعات ، ولا يجعلها تئنّ تحت أثقال العوز والحاجة ، كما هو حادث الآن من التنافر العام والنظر الشزر من العمال إلى أصحاب رؤوس الأموال : ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) أي لا تكونوا من ذوى الأطماع الذين