أحمد مصطفى المراغي

155

تفسير المراغي

والخلاصة - إن ابتغاء مرضاته إنما تطلب بالإخلاص وعدم إرادة السمعة والرياء كما يفعل المتفاخرون من الأغنياء ( تصدقنا . أعطينا منحنا . عملنا وعملنا ) فهؤلاء إنما يبتغون الربح بما يبذلون أو يعملون لا مرضاة للّه تعالى . ولذلك يشق عليهم أن بكون خفيا ، وأن يخلصوا في الحديث عنه نجيّا ، لأن الاستفادة منه بجذب القلوب إليهم ، وتسخير الناس لخدمتهم ، ورفعهم لمكانتهم ، إنما تكون بإظهاره لهم ليتعلق الرجاء فيهم . وبعد أن وعد اللّه بالجزاء الحسن من يتناجون بالخير ويبتغون نفع الناس مرضاة اللّه عزّ وجل - أوعد الذين يتناجون بالشر ويبيّتون ما يكيدون به للناس فقال : ( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ) أي ومن يشاقق الرسول بارتداده عن الإسلام وإظهار عداوته له من بعد ما ظهرت له الهداية على لسانه وقامت عليه الحجة ويتبع سبيلا غير سبيل أهل الهدى - نوله ما تولى : أي نتركه وما اختار لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه . وفي هذا بيان لسنة اللّه في عمل الإنسان ، وإيضاح لما أوتيه من الإرادة والاستقلال والعمل بالاختيار ، فالوجهة التي يتولاها ويختارها لنفسه يوليه اللّه إياها : أي يجعله واليا لها وسائرا على طريقها ، فلا يجد من القدرة الإلهية ما يجبره على ترك ما اختار لنفسه بحسب الاستعداد والإدراك وعمل ما يرى أنه خير له وأنفع في عاجله أو آجله أو فيهما معا ، ثم ندخله جهنم ونعذبه أشد العذاب ، لأنه استحب العمى على الهدى وعاند الحق واتبع الهوى ، وما أقبحها عاقبة لمن تفكر وتدبر ! وقد اشترط في هذا الوعيد أن يتبين له الهدى أما من لم يتبين له فلا يدخل فيه وهم أصناف : فمنهم من نظر في الدليل ولم يظهر له الحق وبقي متوجها إلى طلبه بتكرار النظر والاستدلال مع الإخلاص وهذا معذور غير مؤاخذ ، ومنهم من لم تبلغه الدعوة الإسلامية أو بلغته مشوهة معكوسة ككثير من أهل أوروبا في العصر الحاضر ، وحال هؤلاء كحال من سبقهم ، ومنهم من اتبع الهدى تقليدا لمن يثق به كآبائه وخاصة أهله ،