أحمد مصطفى المراغي
126
تفسير المراغي
بأهله ، فأعلمهم ألا يحسبوا كل من يجدونه في دار الكفر كافرا ، وأن يتبينوا من تظهر عليهم علامات الإسلام كالشهادة والسلام الذي هو تحية المؤمنين ، وألا يحملوا مثل هذا على الخداع ، إذ ربما يكون الإيمان قد طاف على هذه القلوب وألمّ بها إن لم يكن قد تمكن فيها ، ومن ثم أمر بالتثبت ونهى عن إنكار إسلام من يدعى الإسلام ولو بإلقاء تحيته ، فما بالك بمن ينطق بالشهادتين ، وأبان أن الذي يدعوه إلى ظن هذا الظن إنما هو ابتغاء عرض الحياة الدنيا ؟ وبهذا أرشد المؤمن إلى أن يتهم نفسه ويفتش عن قلبه ولا يبنى الظن على ميله وهواه ، بل عليه أن يتقبل الظاهر حتى يستبين له خلافه . وفي سبب نزول هذه الآية روايات كثيرة : منها ما أخرجه البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال « مر رجل من بنى سليم بنفر من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يسوق غنما له فسلم عليهم ، فقالوا ما سلم علينا إلا ليتعوّذ منا ، فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت الآية » . و أخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي قال : « بعثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلّم بن جثامة ، فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم علينا فحمل عليه محلم فقتله ، فلما قدمنا على النبي صلى اللّه عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) الآية » . و أخرج البزار من وجه آخر عن ابن عباس قال : « بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سريّة فيها المقداد ، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرّقوا وبقي رجل له مال كثير فقال أشهد أن لا إله إلا اللّه ، فقتله المقداد فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم كيف لك بلا إله إلا اللّه غدا ؟ وأنزل اللّه هذه الآية » . ولا مانع من تعدد الوقائع قبل نزول الآية وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقروها على أصحاب كل واقعة فيرون أنهم سبب نزولها .