أحمد مصطفى المراغي

127

تفسير المراغي

الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ) أي يا أيها الذين صدقوا اللّه وصدقوا رسوله واتبعوا الأوامر وتركوا النواهي ، إذا سرتم للغزو وجهاد الأعداء رفعة لدينه وإعلاء لكلمته ، تأنوا في قتل من اشتبه عليكم أمره فلم تعلموا أمسلم هو أم كافر ؟ ولا تعجلوا في قتل أحد إلا إذا علمتم يقينا أنه حرب لكم وللّه والرسول ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي ولا تقولوا لمن انقاد لكم واستسلم ولم يقاتلكم وأظهر أنه من أهل ملتكم - إنك لست بمؤمن حقا فتقتلوه ابتغاء متاع الدنيا وحطامها الزائل السريع التحول والانتقال ، فعند اللّه أرزاق كثيرة ونعم لا تحصى ولا تعد ، يغنّمكموها فيغنيكم إذا شاء . ( كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) أي إنكم أول ما دخلتم في الإسلام حقنت دماؤكم وأموالكم بالنطق بكلمة الشهادة من غير انتظار لمعرفة أن ما في القلب موافق لما في اللسان ، ومنّ اللّه عليكم بذلك ، فعليكم أن تعملوا مع الداخلين في الإسلام كما عمل معكم وأن تعتبروا بظاهر القول ولا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة إنما كان لأجل الخوف من السيف . ( فَتَبَيَّنُوا ) أي فكونوا على بينة من الأمر الذي تقدمون عليه ولا تأخذوا بالظن ، بل تدبروا ليظهر لكم أن الإيمان العاصم من حقن الدماء يكفى فيه ظاهر الحال كما كفى معكم من قبل . وفي إعادة التبيين مرة أخرى المبالغة في التحذير من ذلك الفعل والوعيد عليه . ( إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) أي إنه تعالى خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شئ من البواعث التي حفزتكم على الفعل ، فإن كانت ابتغاء حظ الحياة الدنيا فهو يجازيكم على ذلك فلا تفعلوا بل تثبتوا وتبينوا ، وإن كان محض الدفاع عن الحق فهو مثيبكم على ذلك . وفي هذا وعيد وتحذير شديد من الوقوع في مثل هذا الخطأ .