أحمد مصطفى المراغي
110
تفسير المراغي
والخلاصة - إن من ينضم إلى غيره معينا له في فعل حسن يكن له منه نصيب ، ومن ينضم إلى غيره معينا له في فعل سيئ ينله منه سوء وشدة . ويدخل في الآية شفاعة الناس بعضهم لبعض ، وهي قسمان : حسنة ، وسيئة ؛ فالحسنة أن يشفع الشافع لإزالة ضرر ورفع مظلمة عن مظلوم أو جر منفعة إلى مستحق ليس في جرها إليه ضرر ولا ضرار ؛ والسيئة أن يشفع في إسقاط حد ، أو هضم حق ، أو إعطائه لغير مستحق ، أو محاباة في عمل بما يوصل إلى الخلل والزلل ، ولأجل هذا قال العلماء : الشفاعة الحسنة ما كانت فيما استحسنه الشرع ، والسيئة : فيما كرهه أو حرّمه . وفي الآية من العبرة لنا أن نتذكر أن الحاكم العادل لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإخباره بما لم يكن يعلم من مظلمة المشفوع له أو استحقاقه لما يطلب له ، ولا يقبل الشفاعة لإرضاء الشافع فيما يخالف الحق والعدل ويخالف المصلحة العامة . أما الحاكم الظالم فتروج عنده الشفاعات ، لأنه يحابى أعوانه المقربين منه ليكونوا شركاء له في استبداده ليثبتوا على خدمته وإخلاصهم له ، والحكومات التي تروج فيها الشفاعات وتعتمد عليها الرعية في كل ما تطلب تضيع فيها الحقوق ، ويحل الظلم محل العدل ، ويسرى من الدولة إلى الأمة ، فيعم فيها الفساد ويختل نظام الأعمال . ( وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ) أي وكان اللّه مقتدرا على كل شئ فلا يعجزه أن يعطى الشافع نصيبا وكفلا من شفاعته على قدرها في النفع والضر ، ويجازى كلّا بما يستحق ، لأن سننه قد قضت بأن يربط الجزاء بالعمل . وبعد أن علّم سبحانه المؤمنين طريق الشفاعة الحسنة والسيئة وهي من أسباب التواصل بين الناس ، علّمهم سنة التحية بينهم وبين إخوانهم ليؤدبهم بأدب دينه ويزكيهم ويطهر نفوسهم من الغل والحسد فقال : ( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) أي وإذا حياكم أحد بتحية فردوها بتحية مثلها ، أو بتحية أحسن منها ، فقولوا لمن قال : السلام عليكم - وعليكم السلام ، أو وعليكم السلام ورحمة اللّه ، وإذا قال هذا في تحيته فالأحسن أن تقولوا : وعليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته ، وهكذا يزيد المجيب على المبتدئ كلمة أو أكثر .