أحمد مصطفى المراغي

31

تفسير المراغي

الشرور ، ولا يبعدها عن الرذائل ، إذ هو لم يؤت ثمرات الإيمان الصحيح الذي يحبه اللّه ورسوله ، ولا كان أثرا من آثاره الأمر بالمعروف ولا النهى عن المنكر . وبهذا تعلم أن الإيمان المنفي عنهم إيمان خاص له تلك الآثار التي تقدمت ، لا الإيمان الذي يدعيه كل من له دين وكتاب ، كما أنه إنما نفاه عن أكثر أفراد الأمة ، وأنهم هم الذين فسقوا وخرجوا عن حقيقة الدين ، ولم يبق عندهم إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة - لا عن جميعها ، إذ لا تخلو أمة ذات دين سماوي من هذا الإيمان ، ومن ثمّ قال : ( مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ) أي منهم المؤمنون المخلصون في عقائدهم وأعمالهم كعبد اللّه بن سلام ورهطه من اليهود ، والنجاشي ورهطه من النصارى ، وأكثرهم فاسقون عن دينهم متمردون في الكفر . وما من دين إلا يوجد فيه الغالون والمعتدلون والمفرّطون المائلون إلى الفسوق والعصيان . ويكثر الاستمساك بالدين في أوائل ظهوره ، كما يكثر الفسق بعد طول الأمد عليه ، كما قال تعالى : « أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » . ولم يحكم الدين على أمة حكما عاما بالفسق والضلال ، بل تارة يعبر بالكثير ، وأخرى بالأكثر كقوله في بني إسرائيل « فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » * وقوله في النصارى واليهود « مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ » . وعلى الجملة فالقرآن إذا عرض لوصف الأمم وبيان عقائدها وأخلاقها ، وزن ذلك بميزان دقيق يتحرى فيه ذكر الحقيقة مجردة عن كل مغالاة أو مبالغة بما لم يعهد مثله في كتاب آخر .