أحمد مصطفى المراغي
32
تفسير المراغي
فلو تصفحنا الأحكام التي حكم بها على أهل الكتاب ، وعرضناها على علمائهم وفلا سفتهم ومؤرخيهم لقالوا : إنها الحق الصّراح . ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ) أي إن هؤلاء الفاسقين لا يقدرون على إيقاع الضرر بكم بل غاية جهدهم أن يؤذوكم بالهجو القبيح ، والطعن في الدين ، وإلقاء الشبهات وتحريف النصوص ، والخوض في النبي صلى اللّه عليه وسلم . ( وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ) أي وإن يقابلوكم في ميدان القتال ينهزموا من غير أن يظفروا منكم بشيء ، والمنهزم من شأنه أن يحوّل ظهره إلى جهة مقاتله ويستدبره في هربه منه ، فيكون قفاه إلى وجه من انهزم منه . ( ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) أي ثم إنهم لا ينصرون عليكم أبدا ما داموا على فسقهم ، ودمتم على خيريتكم ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه . وفي الآية ثلاث بشارات من أخبار الغيب تحققت كلها ، وقد صدق اللّه وعده . ومما سبق تعلم أن هذا الحكم إنما يثبت لهم إذا حافظوا على نصر اللّه بنصر دينه كما قال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ » وكما قال في وصف المؤمنين المجاهدين « الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ » . ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) أي إنهم ألزموا الذلة فلا خلاص لهم منها ، فحالهم معكم أنهم أذلاء مهضومو الحقوق رغم أنوفهم ، إلا بعهد من اللّه وهو ما قررته الشريعة إذا دخلوا في حكمها من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم الإيذاء ، وعهد من الناس ، وهو ما تقتضيه المشاركة في المعيشة ، من احتياجهم إليكم واحتياجكم إليهم في بعض الأمور ، وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحسن معاملتهم ويقترض منهم ، وكذلك الخلفاء الراشدون . والخلاصة - إن هؤلاء لا عزة لهم في أنفسهم ، لأن السلطان والملك قد فقدا