أحمد مصطفى المراغي
30
تفسير المراغي
ومما سلف تعلم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو سبب الفضيلة ، كما تقول : محمد كريم ، يطعم الناس ويكسوهم ، ويعنى بشئونهم . وهذه الصفات وإن شاركتها فيها سائر الأمم ، فهي لم تكن فيها على الوجه الذي لهذه الأمة ، فالأمر بالمعروف كان فيها على آكد وجوهه ، وهو القتال إذا دعت إليه الحاجة ، وقد يحصل بالقلب واللسان ، ولكن أقواه ما كان بالقتال لأنه إلقاء للنفس في خطر الهلاك . وأعظم المعروفات الدين الحق ، والإيمان بالتوحيد والنبوة ، وأنكر المنكرات الكفر باللّه ، ومن كان فرض الجهاد في الدين يحمّل الإنسان أعظم المضار لإيصال غيره إلى أعظم المنافع ، وتخليصه من أعظم الشرور ، لهذا كان عبادة من العبادات ، بل كان أجلّها وأعظمها ، وهو في ديننا أقوى منه في سائر الأديان . لا جرم كان ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم ، وهذا ما عناه ابن عباس بقوله في تفسير هذه الآية أي تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه ، ويقروا بما أنزل اللّه ، وتقاتلونهم عليه ، ولا إله إلا اللّه أعظم المعروف ، والتكذيب أنكر المنكرات . والخلاصة - إن هذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة ، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية ، ومن ثم أكد الأمر بهذه الفريضة في آيات هذه السورة بما لم يعرف له نظير في الكتب السابقة . وقدم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الإيمان باللّه في الذكر ، مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات ، لأنهما سياج الإيمان وحفاظه ، فكان تقديمهما في الذكر موافقا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شئ مقدما عليه . ( وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) أي ولو آمنوا إيمانا صحيحا يستولى على النفوس ، ويملك أزمة القلوب ، فيكون مصدر الفضائل والأخلاق الحسنة ، كما تؤمنون - لكان ذلك خيرا لهم مما يدّعونه من إيمان لا يزع النفوس عن