أحمد مصطفى المراغي
19
تفسير المراغي
في الرأي والفهم ، وهو مما فطر عليه البشر ، وإلى ذلك الإشارة بقوله : « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ » إذ أن العقول والأفهام ليست متساوية ، فالأسرة الواحدة تختلف أفهام أفرادها في الشيء الواحد ، كما يختلف حبهم له ، وميلهم إليه . وهذا ضرب لا ضرر فيه . ( 2 ) ضرب جدّت الشرائع في هدمه ومحوه ، وهو تحكيم الرأي والهوى في أمور الدين وشؤون الحياة . وهاك مثلا يتضح لك به ما تقدم - قد اختلف الأئمة المجتهدون في فهم كثير من نصوص الدين من كتاب وسنة ، وما كان في ذلك من حرج ، فما لك نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من صلاح وسلامة قلب ، فقال : إن عمل أهلها أصل من أصول الدين ، لأنهم لقرب عهدهم من النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة في العمل ، وأبو حنيفة نشأ في العراق وأهلها أهل شقاق ونفاق ، فلم يجعل عملهم ولا عمل غيرهم حجة ، ولو اجتمع هذان الإمامان لعذر كل منهما صاحبه فيما رأى ، لأنه بذل جهده في بيان وجه الحق مع الإخلاص للّه ، وإرادة الخير والطاعة لأمره ، ولكن جاءت بعد هؤلاء فرق من المسلمين قلدتهم فيما نقل عنهم ، ولم تقلدهم في سيرتهم ، وحكموا الرأي والهوى في الدين ، وتفرقوا شيعا ، كل فريق يتعصب لرأى فيما وقع من أوجه الخلاف ، ويعادى المخالف له حتى حدث من ذلك ما نرى ، وما ذاك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلب المتعصبين ، فليس من المعقول أن أبا حنيفة أصاب في كل ما خالف فيه غيره من الأئمة ، وأن الشافعي ومالكا أخطئا في جميع ما خالفا فيه أبا حنيفة . وإذا فكيف يمضى نحو أربعة عشر قرنا ولا يستبين لفقهاء مذهبه وجه الصواب في بعض المسائل الخلافية ، فيرجحون بعض آراء المذاهب الأخرى على مذهبه في تلك المسائل ، ويرجعون إلى الصواب فيها .