أحمد مصطفى المراغي

20

تفسير المراغي

وهذا الضرب من الخلاف وهو تحكيم الرأي والهوى كان مصدر شقاء أمم كثيرة فهوت بعد رفعتها ؛ وذلت بعد عزتها ، وضعفت بعد قوتها . وقد حدث مثل هذا في الفرق الإسلامية في علم الكلام ، فإن أبدى أحدهم رأيا في مسألة بادر مخالفه إلى الرد عليه ، وتفنيد مذهبه وتضليله ، ويقابله الآخر بمثل صنيعه ، ولو حاول كل منهما محادثة الآخر ، والاطلاع على أدلته ، ووزنها بميزان الإنصاف والحق لما حدث مثل هذا الخلاف ، بل اقتنع كل واحد منهما بما رأى مخالفه . والمسلم ما دام محافظا على نصوص دينه لا يخل بواحد منها ، مع احترامه لرسوله المفسر لكتابه لا يخرج من جماعة المسلمين لمخالفته سواه . فإذا تحكم الرأي والهوى ولعن بعضهم بعضا ، وكفر بعضهم بعضا ، فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث . وكذلك الحال في الاختلاف في المعاملة في المسائل السياسية والدينية ، لا ينبغي أن يكون مفرقا بين جماعة المؤمنين ، بل عليهم أن يرجعوا في النزاع إلى حكم اللّه وآراء أولى العلم منهم ، وبذلك نتقى غائلة الخلاف ، ونكون في وفاق ، ونصير ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 109 ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 )