أحمد مصطفى المراغي

15

تفسير المراغي

والنصارى كانوا يستقبلون المشرق ، فأىّ شبهة تتجه من المشاغبين في أمر تحويل القبلة وكيف يكون ذلك مسوّغا للطعن في النبي وشرعه ، فالقبلة إذا من المسائل التي اختلفت باختلاف الأمم ، فليست الجهة أسّا من أسس الدين كتوحيد اللّه والإيمان بالبعث والجزاء ، فالواجب فيها التسليم لأمر الوحي كما هو الشأن في أمثالها كعدد الركعات ، ومقدار النصيب الواجب في الزكاة . ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) أي فبادروا إلى فعل كل نوع من أنواع الخير ، وليحرص كل منكم أن يكون سباقا إليه ، وأن يتبع أمر المرشد لا أمر المكابر المستكبر الذي يتبع الهوى ، ويلقى الحق وراءه ظهريا ، فإنه إنما يستبق إلى الشرّ والضلال « وما ذا بعد الحقّ إلّا الضّلال » . ( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ) أي ففي أي مكان تقيمون فيه ، فاللّه يأتي بكم ويجمعكم للحساب ، فعليكم أن تستبقوا إلى فعل الخيرات ، فالبلاد والجهات لا شأن لها في أمر الدين ، وإنما الشأن لعمل البر ، وفي هذا وعد لأهل الطاعة ، ووعيد لأهل المعصية . ثم أقام الدليل على ما قبله بقوله : ( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فهو لا يعجزه أن يحشر الناس يوم الجزاء مهما بعدت بينهم المسافات . وتناءت بهم الديار والجهات . والأمر باستباق الخيرات هنا مجمل يفصله ذكر أنواع البر التي ذكرت في آية « لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ، وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ ، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ » وستأتي ، وكأنه يقول للفاتنين والمفتونين في مسألة القبلة : إن جوهر الدين ولبه في المسارعة إلى الخيرات ، فهل رأيتم محمدا صلى اللّه عليه وسلم وأتباعه قصّروا في ذلك أو كانوا السباقين