أحمد مصطفى المراغي

16

تفسير المراغي

إلى كل مكرمة ، المتصفين بكل فضيلة ، فدعوا الجدل والمراء واتبعوا فضائل الدين ، فالدين هو السبيل الموصل إلى السعادة المنجّى من كل سوء . ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) أي ومن أىّ مكان خرجت ، وفي أي بقعة حللت ، فول وجهك في صلاتك شطر المسجد الحرام ، وقد أعاد الأمر مرة أخرى ليبين أن هذا التولي عام في كل زمان ومكان ، ولا يختص ببلاد دون أخرى ، ولا بحضر دون سفر ، ولا بالصلاة التي كان يصليها وقد نزل عليه التحويل فيها ، بل هو شريعة عامة في كل حين وفي كل مكان . وأصحاب هذه القبلة يصلون إلى جميع الجهات بتوليهم إياها في بقاع الأرض المختلفة شرقا وغربا ، وشمالا وجنوبا . ثم وثّق ذلك ووكده بقوله : ( وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أي وإن توليك إياه لهو الحق الثابت الموافق للحكمة والمصلحة . ( وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) أي فاللّه ليس بغافل عن أعمالكم وإخلاصكم في متابعة النبي صلى اللّه عليه وسلم في كل ما يجئ به من أمر الدين ، وسيجازيكم بذلك خير الجزاء . ولا يخفى ما في هذا من الوعد والبشارة للمؤمنين بنيل المكافأة على ما يفعلون . ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) أي ومن حيث خرجت في أسفارك في المنازل القريبة أو البعيدة ، فولّ وجهك جهة المسجد الحرام ، وحيثما كنتم من أقطار الأرض مقيمين أو مسافرين وصليتم فولوا وجوهكم شطره . وأعاد الأمر ( فَوَلِّ وَجْهَكَ ) مرة ثالثة عناية بأمر هذا التولي ، وليرتب عليه الحكم والمنافع الثلاث الآتية :