الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
94
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مشتق من الذّكر بضم الذال . والمعنى : انظر فقد يكون تزكّيه مرجوا ، أي إذا أقبلت عليه بالإرشاد زاد الإيمان رسوخا في نفسه وفعل خيرات كثيرة مما ترشده إليه فزاد تزكية ، فالمراد ب « يتزكى » تزكية زائدة على تزكية الإيمان بالتملّي بفضائل شرائعه ومكارم أخلاقه مما يفيضه هديك عليه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة » إذ الهدى الذي يزداد به المؤمن رفعة وكمالا في درجات الإيمان هو كاهتداء الكافر إلى الإيمان لا سيما إذ الغاية من الاهتداءين واحدة . و يَزَّكَّى أصله : يتزكى ، قلبت التاء زايا لتقارب مخرجيهما قصدا ليتأتى الإدغام وكذلك فعل في يَذَّكَّرُ من الإدغام . والتزكّي : مطاوع زكّاه ، أي يحصل أثر التزكية في نفسه . وتقدم في سورة النازعات . وجملة أَوْ يَذَّكَّرُ عطف على يَزَّكَّى ، أي ما يدريك أن يحصل أحد الأمرين وكلاهما مهم ، أي تحصل الذكرى في نفسه بالإرشاد لما لم يكن يعلمه أو تذكر لما كان في غفلة عنه . والذكرى : اسم مصدر التذكير . وفي قوله تعالى : فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى اكتفاء عن أن يقول : فينفعه التزكي وتنفعه الذكرى لظهور أن كليهما نفع له . والذكرى : هو القرآن لأنّه يذكّر الناس بما يغفلون عنه قال تعالى : وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [ القلم : 52 ] فقد كان فيما سأل عنه ابن أم مكتوم آيات من القرآن . وقرأ الجمهور : فَتَنْفَعَهُ بالرفع عطفا على « يذّكّر » . وقرأه عاصم بالنصب في جواب : لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [ 5 ، 6 ] [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 5 إلى 6 ] أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) تقدم الكلام على أَمَّا في سورة النازعات أنها بمعنى : مهما يكن شيء ، فقوله : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى تفسيره مهما يكن الذي استغنى فأنت له تصدّى ، أي مهما يكن شيء فالذي استغنى تتصدى له ، والمقصود : أنت تحرص على التصدي له ، فجعل مضمون الجواب وهو التصدّي له معلقا على وجود من استغنى وملازما له ملازمة التعليق الشرطي