الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

95

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على طريقة المبالغة . والاستغناء : عدّ الشخص نفسه غنيا في أمر يدل عليه السياق قول ، أو فعل أو علم ، فالسين والتاء للحسبان ، أي حسب نفسه غنيا ، وأكثر ما يستعمل الاستغناء في التكبر والاعتزاز بالقوة . فالمراد ب مَنِ اسْتَغْنى هنا : من عدّ نفسه غنيا عن هديك بأن أعرض عن قبوله لأنه أجاب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم له : « هل ترى بما أقول بأسا ، بقوله : لا والدماء . . . » كناية عن أنه لا بأس به يريد ولكني غير محتاج إليه . وليس المراد ب مَنِ اسْتَغْنى من استغنى بالمال إذ ليس المقام في إيثار صاحب مال على فقير . وهذا الذي تصدّى النبي صلى اللّه عليه وسلم لدعوته وعرض القرآن عليه هو على أشهر الأقوال المروية عن سلف المفسرين الوليد بن المغيرة المخزومي كما تقدم . والإتيان بضمير المخاطب مظهرا قبل المسند الفعلي دون استتاره في الفعل يجوز أن يكون للتقوي كأنه قيل : تتصدى له تصديا ، فمناط العتاب هو التصدي القوي . ويجوز أن يكون مفيدا للاختصاص ، أي فأنت لا غيرك تتصدّى له ، أي ذلك التصدّي لا يليق بك . وهذا قريب من قولهم : مثلك لا يبخل ، أي لو تصدّى له غيرك لكان هونا ، فأما أنت فلا يتصدى مثلك لمثله فمناط العتاب هو أنه وقع من النبي صلى اللّه عليه وسلم في جليل قدره . وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر بفتح التاء وتشديد الصاد على إدغام إحدى التاءين في الصاد . والباقون بالفتح وتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين . والتصدّي : التعرض ، أطلق هنا على الإقبال الشديد مجازا . [ 7 ] [ سورة عبس ( 80 ) : آية 7 ] وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ( 7 ) جملة معترضة بين جملة أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى [ عبس : 5 ] وجملة : وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى [ عبس : 8 ] ، والواو اعتراضية . و ما نافية و عَلَيْكَ خبر مقدم . والمبتدأ أَلَّا يَزَّكَّى ، والمعنى : عدم تزكّيه