الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
77
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإن كان السماء جنسا للسماوات فإضافة ليل وضحى إلى السماوات لأنهما يلوحان في جهاتها . [ 30 - 32 ] [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 30 إلى 32 ] وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) وانتقل الكلام من الاستدلال بخلق السماء إلى الاستدلال بخلق الأرض لأن الأرض أقرب إلى مشاهدتهم وما يوجد على الأرض أقرب إلى علمهم بالتفصيل أو الإجمال القريب من التفصيل . ولأجل الاهتمام بدلالة خلق الأرض وما تحتوي عليه قدم اسم الْأَرْضَ على فعله وفاعله فانتصب على طريقة الاشتغال ، والاشتغال يتضمن تأكيدا باعتبار الفعل المقدر العامل في المشتغل عنه الدال عليه الفعل الظاهر المشتغل بضمير الاسم المقدم . والدّحو والدّحي يقال : دحوت ودحيت . واقتصر الجوهري على الواوي وهو الجاري في كلام المفسرين هو : البسط والمدّ بتسوية . والمعنى : خلقها مدحوّة ، أي مبسوطة مسوّاة . والإشارة من قوله : بَعْدَ ذلِكَ إلى ما يفهم من بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها [ النازعات : 27 ، 28 ] ، أي بعد خلق السماء خلق الأرض مدحوّة . والبعدية ظاهرها : تأخر زمان حصول الفعل ، وهذه الآية أظهر في الدلالة على أن الأرض خلقت بعد السماوات وهو قول قتادة ومقاتل والسدّي ، وهو الذي تؤيده أدلة علم الهيئة . وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في سورة البقرة [ 29 ] ، وما ورد من الآيات مما ظاهره كظاهر آية سورة البقرة تأويله واضح . ويجوز أن تكون البعدية مجازا في نزول رتبة ما أضيف إليه بَعْدَ عن رتبة ما ذكر قبله كقوله تعالى : عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [ القلم : 13 ] . وجملة أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها بدل اشتمال من جملة دَحاها لأن المقصد من دحوها بمقتضى ما يكمل تيسير الانتفاع بها . ولا يصح جعل جملة أَخْرَجَ مِنْها ماءَها إلى آخرها بيانا لجملة دَحاها