الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

78

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لاختلاف معنى الفعلين . والمرعى : مفعل من رعى يرعى ، وهو هنا مصدر ميمي أطلق على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، أي أخرج منها ما يرعى . والرعي : حقيقته تناول الماشية الكلأ والحشيش والقصيل . فالاقتصار على المرعى اكتفاء عن ذكر ما تخرجه الأرض من الثمار والحبوب لأن ذكر المرعى يدل على لطف اللّه بالعجماوات فيعرف منه أن اللطف بالإنسان أحرى بدلالة فحوى الخطاب ، والقرينة على الاكتفاء قوله بعده مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ النازعات : 33 ] . وقد دل بذكر الماء والمرعى على جميع ما تخرجه الأرض قوتا للناس وللحيوان حتى ما تعالج به الأطعمة من حطب للطبخ فإنه مما تنبت الأرض ، وحتى الملح فإنه من الماء الذي على الأرض . ونصب وَالْجِبالَ يجوز أن يكون على طريقة نصب وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ويجوز أن يكون عطفا على ماءَها وَمَرْعاها ويكون المعنى : وأخرج منها جبالها ، فتكون ( ال ) عوضا عن المضاف إليه مثل فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 41 ] أي مأوى من خاف مقام ربه فإن الجبال قطع من الأرض ناتئة على وجه الأرض . وإرساء الجبال : إثباتها في الأرض ، ويقال : رست السفينة ، إذا شدّت إلى الشاطئ فوقفت على الأنجر ، ويوصف الجبل بالرّسو حقيقة كما في « الأساس » ، قال السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم يذكر جبلهم : رسا أصله فوق الثرى وسما به * إلى النجم فرع لا ينال طويل وإثبات الجبال : هو رسوخها بتغلغل صخورها وعروق أشجارها لأنها خلقت ذات صخور سائخة إلى باطن الأرض ولولا ذلك لزعزعتها الرياح ، وخلقت تتخلّلها الصخور والأشجار ولولا ذلك لتهيلت أتربتها وزادها في ذلك أنها جعلت أحجامها متناسبة بأن خلقت متسعة القواعد ثم تتصاعد متضائقة . ومن معنى إرسائها : أنها جعلت منحدرة ليتمكن الناس من الصعود فيها بسهولة كما يتمكن الراكب من ركوب السفينة الراسية ولو كانت في داخل البحر ما تمكن الراكب من ركوبها إلا بمشقة .