الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
7
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اسم الاستفهام مقترنا بحرف الجر الذي تعدى به الفعل إلى اسم الاستفهام وكان الحرف لا ينفصل عن مجروره قدّما معا فصار عما يتساءلون . وقد جرى الاستعمال الفصيح على أن ( ما ) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر يحذف الألف المختومة هي به تفرقة بينها وبين ( ما ) الموصولة . وعلى ذلك جرى استعمال نطقهم ، فلما كتبوا المصاحف جروا على تلك التفرقة في النطق فكتبوا ( ما ) الاستفهامية بدون ألف حيثما وقعت مثل قوله تعالى : فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [ النازعات : 43 ] فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [ الحجر : 54 ] لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] عَمَّ يَتَساءَلُونَ مِمَّ خُلِقَ [ الطارق : 5 ] فلذلك لم يقرأها أحد بإثبات الألف إلا في الشاذّ . ولما بقيت كلمة ( ما ) بعد حذف ألفها على حرف واحد جروا في رسم المصحف على أن ميمها الباقية تكتب متصلة بحرف ( عن ) لأن ( ما ) لما حذف ألفها بقيت على حرف واحد فأشبه حروف التهجّي ، فلما كان حرف الجر الذي قبل ( ما ) مختوما بنون والتقت النون مع ميم ( ما ) ، والعرب ينطقون بالنون الساكنة التي بعدها ميم ميما ويدغمونها فيها ، فلما حذفت النون في النطق جرى رسمهم على كتابة الكلمة محذوفة النون تبعا للنطق ، ونظيره قوله تعالى : مِمَّ خُلِقَ وهو اصطلاح حسن . والتساؤل : تفاعل وحقيقة صيغة التفاعل تفيد صدور معنى المادة المشتقة منها من الفاعل إلى المفعول وصدور مثله من المفعول إلى الفاعل ، وترد كثيرا لإفادة تكرر وقوع ما اشتقت منه نحو قولهم : ساءل ، بمعنى : سأل ، قال النابغة : أسائل عن سعدى وقد مرّ بعدنا * على عرصات الدار سبع كوامل وقال رويشد بن كثير الطائي : يا أيّها الراكب المزجي مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت وتجيء لإفادة قوة صدور الفعل من الفاعل نحو قولهم : عافاك اللّه ، وذلك إما كناية أو مجاز ومحمله في الآية على جواز الاحتمالات الثلاثة وذلك من إرادة المعنى الكنائي مع المعنى الصريح ، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وكلا الاعتبارين صحيح في الكلام البليغ فلا وجه لمنعه . فيجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها بأن يسأل بعضهم بعضا سؤال متطلع للعلم لأنهم حينئذ لم يزالوا في شك من صحة ما أنبئوا به ثم استقر أمرهم على الإنكار .